الكاتب : سامي مشعشع
عملتُ معك عندما تم تعيينك في العام 2018 مفوضاً عاماً للأونروا بالإنابة، بعد إقصاء المفوض العام الشجاع بيير كرينبول، الذي دفع ثمن مواقفه المبدئية حين وقف في وجه الإدارة الأمريكية والتي أوقفت دعمها المالي، ودافع عن العاملين وعن ولاية الأونروا، وأطلق حملة "الكرامة لا تُقدّر بثمن" لمواجهة قطع التمويل.
يُسجَّل لك أنك، في تلك المرحلة، تعاونت مع اتحاد العاملين وحافظت على الحد الأدنى من مكتسباتهم رغم الضغوط. ويُسجَّل لك أيضاً – من الجانب الذي يخصني – أنك رفضت ضغوطاً مباشرة من بعض الجهات المانحة ومن عدد محدد من الموظفين الأجانب لإبعادي عن عملي كوني أحد أفراد الفريق الصغير الذي عمل مع كرينبول في مواجهة شيطنة الأونروا وعزلها حينها. أحسبها لك.
اليوم، أنت أمام اختبار لا يقبل التردد ولا يحتمل التموضع في المنطقة الرمادية. خلال الأشهر القادمة لا يوجد أمامك إلا خياران: إما أن تكرّر نموذج الإدارة الضعيفة للمفوض العام المنتهية ولايته، الذي تكيّف مع الضغوط وأدار تراجع الوكالة وتهميشها وانحدارها، وإما أن تمارس دوراً قيادياً صريحاً، يستند إلى التفويض القانوني للأونروا ويستعيد وظيفتها السياسية والأخلاقية، لا الخدمية فقط.
إما أن تكون بطةً عرجاء: مدير أزمة لا قائد، منفّذ إملاءات لا صاحب قرار، منسجم مع الضغوط لا مواجهاً لها. أو أن تختار المواجهة، وأنت تمثل إرادة سياسية وأخلاقية دولية، لا مكتباً بيروقراطياً خاضعاً للممولين.
ما يلي ليس مقترحات عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرتك على القيادة.
أولاً: دماء 400 موظف فلسطيني ليست رخيصة – جريمة إبادتهم لا تُنسى.
قرابة 400 من موظفي الأونروا الذين استشهدوا خلال حرب الإبادة على غزة ليسوا ملفاً إدارياً منسياً. هم ليسوا "خسارة مؤسفة" – كما كان يحلو للمفوض العام السابق ومسؤولي الأمم المتحدة وصف جريمة إبادتهم– بل جريمة سياسية وقانونية مكتملة الأركان.
التعامل مع هذه القضية بصيغة إنسانية عامة، دون توصيف ومساءلة وتحرك قضائي، يظل تقصيراً مؤسسياً وأخلاقياً معيباً. الصمت أو الاكتفاء بالتوثيق هو إخلال بواجب الحماية والتمثيل، والصمت على هذه الجريمة ليس حياداً بل تواطؤ. إذا لم تتحرك الأونروا ممثلةً بك، فمن سيتحرك؟ الإطار الفلسطيني عاجز ومقيّد في هذا الخصوص، لكنك لست كذلك.
المطلوب دون مماطلة هو تحريك دعاوى قانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحاكم الوطنية ذات الاختصاص، والمطالبة باعتراف رسمي بالمسؤولية والاعتذار، والإصرار على تعويضات مالية لعائلات الضحايا من الزملاء، وإقامة صرح تذكاري دائم لهم داخل مقر الأونروا في غزة.
أي مقاربة دون ذلك تُبقي الجريمة بلا مساءلة ولا إحقاق للحق.
دمهم/دمنا ليس رخيصاً.
ثانياً: تدمير منشآت الوكالة – جريمة حرب تستوجب الملاحقة وطلب التعويض.
استهداف العشرات من منشآت الأونروا بشكل مباشر خلال حرب الابادة هو جريمة حرب، والتغاضي عنها هو تقاعس قانوني وسياسي. المطلوب تحويل هذه القضية إلى ملف قانوني مفتوح والمطالبة بتعويضات مالية باعتبارها حقاً وإبقاء الملف حاضراً في الخطاب الإعلامي والقانوني دون انقطاع،ك وعدم السماح بتحويل إعادة الإعمار إلى منّة من نفس الجهات التي صمتت أو شاركت في التدمير.
ثالثاً: إعادة تعريف العلاقة مع اللاجئين.
اختزال اللاجئ إلى مجرد "متلقّي خدمة" هو انحراف عن جوهر التفويض. إضعاف قنوات التواصل مع اللاجئين وممثليهم، وتهميشهم، وقطع قنوات التواصل معهم مقابل تضخيم العلاقة مع المانحين، أضعف شرعية الوكالة وربط قرارها بمصادر تمويل مسيسة ومشروطة.
المطلوب إعادة بناء قنوات تمثيلية فعلية مع اللاجئين، وإشراكهم في الدفاع عن الوكالة، واستعادة البعد السياسي لوجودها بوصفه مرتبطاً بحق العودة. ما حدث في السنوات الأخيرة هو انحراف خطير: تحوّلت الأونروا من مؤسسة مرتبطة بقضية سياسية إلى مزوّد خدمات خاضع لشروط المانحين.
الوكالة بدون اللاجئين هي هيكل إداري بلا شرعية.
رابعاً: الاتحادات والعاملون – إعادة بناء الثقة.
كسر وإضعاف اتحادات العاملين كان مقصوداً. ما جرى ويجري مع الاتحادات لم يكن عرضياً، بل كان هناك استغلال واضح لضعفها البنيوي وتغذية انقساماتها ومحاولات لإعادة تشكيلها بما يجعلها أضعف وخلق كيانات بديلة عنها. هذا ليس سوء إدارة بل خيار إداري.
إذا أردت تغيير المسار، فعليك أن تفتح حواراً حقيقياً لا شكلياً، وتجلس مع الاتحادات في لقاء جدي ومطوّل، وتعید الاعتبار لدورها التمثيلي. أما استمرار النهج الحالي ومع ترهل الأداء النقابي والمناكفات التافهة بين مسؤولي الاتحادات وهزالة ادائهم، فهي وصفة مضمونة لانفجار داخلي.
اما على صعيد التواصل الداخلي مع العاملين، فإن انهياره يُعد إخلالاً مباشراً بمبادئ الشفافية والمساءلة. اعتماد العاملين على التسريبات بدل القنوات الرسمية يُفقد القرار الإداري شرعيته.
في العام 2013، أتيح لى انشاء وحدة التواصل الداخلي وحاولت جعلها قناة حوار وتواصل بين العاملين والإدارة، وتضمنت لقاءات دورية ونقاشات مفتوحة وشفافة. هذا الجهد اليوم شبه معدوم.
لإعادة بناء هذا المسار، لا بد من تفعيل منصات التواصل الداخلي كمساحات حوار حقيقية، وإلزام الإدارة بالظهور الدوري أمام العاملين، والبدء بلقاء مفتوح تقوده أنت شخصياً.
خامساً: هزالة اداء عمل الاونروا الاعلامي.
الجهد الإعلامي للأونروا اليوم معيب وفيه تقصير واضح. إنه إخفاق في التمثيل لا في الأدوات فقط. أداء الأونروا الإعلامي خلال الحرب كان ضعيفاً إلى حد الإخفاق – وهو كذلك اليوم.
الاونروا لم تَقُدْ رواية، لم تفرض خطاباً ولم تُحدث أثراً يُذكر. تحوّلت إلى ناقل خبر لا صانع موقف. والأرقام التي ستعرض أمامك حول "النشاط الإعلامي" مضللة، فالقضية ليست "كم تحدثتم" بل ماذا قلتم ومن سمعكم. الأونروا، بحكم موقعها، ليست ناقلة للحدث، بل طرف شاهد عليه، ومسؤولة عن توصيفه قانونياً وسياسياً وإعلامياً. الخطاب الذي يكتفي بالرصد دون توصيف، وبالحياد دون مساءلة، يُفرّغ دور المؤسسة.
المطلوب بناء خطاب إعلامي يدمج البعد القانوني في توصيف الانتهاكات.
هناك ضرورة ملحة لتعيين متحدث أو متحدثة فلسطيني في مكتبك ناطقاً رسمياً وإعلامياً على الفور لتمثيل الوكالة أمام جمهورها الطبيعي.
وهناك حاجة كذلك اتعيين ناطق باللغة الإنجليزية أفضل من الموجود بسبب ضعف الأداء.
مع ضرورة اعادة هيكلة المنصات الرقمية لتكون أدوات تأثير لا مجرد نشر .
استمرار الوضع الحالي يعني ترك الساحة لخطابات مضادة دون مواجهة.
سادساً: الفصل الجائر لأكثر من 570 موظف وانهاء عقود اخرين.
هذا القرار كان بلا مبرر أخلاقي، ويجب مراجعته فوراً. إنهاء عقود موظفين في ظروف قسرية ليس إجراءً سببه "الأزمة المالية" كما يُدّعى. المطلوب مراجعة القرار، واعتماد حل يعيد الحقوق، وإغلاق الملف ضمن إطار عادل وواضح. أي تبرير للاستمرار فيه هو تبرير للخطأ. والحال ذاته ينسحب على انهاء عقود للعديد من الموظفين دون تخطيط، دون نقاش ودون حوار للبحث فى اليات بديلة عن الطرد.
سابعاً: خصم 20% من الرواتب.
هذا القرار الاعتباطي لأزمة مفتعلة مرفوض. تحميل العاملين كلفة الأزمة المالية لا يشكل حلاً، بل هو نقل عبء المشكلة إلى الحلقة الأضعف.
المطلوب التزام مكتوب بإلغاء الخصم، وآلية تعويض الفاقد عند تحسن الوضع المالي.
ثامناً: إدارة العمليات في غزة والضفة – إنهاء الازدواجية.
إدارة عمليات الأونروا في غزة من خارجها، وفي الضفة من خارجها، تمثل خللاً إدارياً وهدراً مالياً فاضحاً. لا يمكن تبرير استمرار هذا النموذج، لا مهنياً ولا أخلاقياً.
المطلوب واضح ومباشر: تعيين مدير عمليات فلسطيني في غزة مقيم داخل القطاع يمارس صلاحياته من الميدان، وتعيين مدير عمليات فلسطيني في الضفة الغربية يعمل من داخل الإقليم. على أن يكون لهما نواب دوليين يعملون من خارج الإقليمين، يقدمون الدعم الفني والسياسي دون أن يحلوا محل القيادة الميدانية.
ان استمرار وجود كادر وظيفي من غزة يعمل بشكل دائم من خارجها فقد مبرره الوظيفي في هذه المرحلة، وأصبح عبئاً مالياً، وعائقاً أمام إعادة بناء منظومة العمل الميداني، ومصدراً لتعميق الفجوة بين العاملين في الداخل والإدارة.
المطلوب إنهاء هذا النمط بشكل حاسم، وإعادة تموضع الكادر حيث تقتضي الحاجة الفعلية للعمل، وربط الوظيفة بالميدان لا بالموقع الجغرافي المريح.
المشهد واضح ولا يحتاج إلى توصيف إضافي: العاملون يقتربون من نقطة الانفجار، والثقة بالإدارة متآكلة، والوكالة في غزة تعمل تحت الضغط والاستنزاف، والحضور في الضفة ضعيف ومجزّأ، والهجوم السياسي والقانوني على الأونروا يتصاعد بشكل منظم. في هذا السياق، لا تُقاس القيادة بالتصريحات بل بالقرارات التي تُتخذ تحت الضغط.
أمامك فترة محدودة كمفوض عام بالإنابة، لكنها كافية لتحديد المسار: إما إعادة تعريف دور الأونروا كجهة صاحبة تفويض وقرار، أو تثبيت واقعها كجهاز إداري يدير التراجع. الخيار ليس نظرياً وسيظهر في القرارات الأولى التي ستتخذها وفي الملفات التي ستفتحها أو تتجنبها. وسيتضح حينها إن كنت ستُسجَّل كمن مارس دوره القيادي في لحظة حاسمة أم كمن اكتفى بإدارة أزمة كسلفه.



