ليندا تافاكولي شاعرة إيرلندية نشرت العديد من الكتب في الشعر والقصة القصيرة، وحصلت على جوائز أدبية مرموقة. تشرف على تقديم ورشات الكتابة الإبداعية للكبار، وتعمل بدعم من مؤسسة جائزة شيموس هيني، على الإحاطة بمواهب كتابة الشعر في المدارس.
كتبت ليندا تافاكولي العديد من القصائد عن غزة ونشرتها في كتاب إلكتروني عن دار مجلة Live Encounters. تحاول الشاعرة في هذه النصوص أن تكون شاهدة على الإبادة، ولكنها لا تتوانى عن تذكيرنا بأنها تكتب من مسافة بعيدة، حيث تعيش في إيرلندا الشمالية، لذلك تحضر في هذه القصائد الكثير من المفردات المتعلقة بالأخبار والراديو والتلفزيون والصور الفوتوغرافية. الكتابة عن غزة بالنسبة إلى ليندا تافاكولي، التي عانت بلادها من عنف الاحتلال البريطاني وتجويعه (مجاعة سنة 1845- 1852)، هي وسيلة لتدين اللامبالاة والتواطؤ والنسيان ولتكون شاهدة، ولو من مسافة آلاف الأميال، على الإبادة.
ليندا تافاكولي / ترجمة: ميلاد فايزة
طفل مجروح دون ناجين من عائلته
عيونهم مفتوحة
كعيون البوم التي تحدّق في الليل
تبتلع الظلام
بألْسنة جافّة
هوياتهم موشومة
على جلودهم
مثل تواقيع للأجيال القادمة
نور
خالد
ليلى
ناصر
نائمون على أيادي
الأمهات الميتات
يتذكرون الما قبل
عندما كانت اللمسة مهدا
للانتماء
وكان الما بعد إزهارا
للنجوم في النعيم
عزيزة
أمل
فرح
أسد
صمتهم يحميهم
فَمَنْ يستطيع أن يستوعب
جروح أطرافهم الممزّقة
المنبعثة من الشاشة
أو نشيج اللحم المتقشر
مما تبقى من بقاياهم
ناصر
صفية
داحر
بشير
أجساد لم يطالب بها أحد
أطفال الأشباح هؤلاء ينبشون الظلام
بحثا عما ضاع منهم
أشباح الأطفال هؤلاء
لا شيء يملكونه الآن
غير إنسانيتنا
حبيبة
إيمان
حميد
زهرة
لينا
رداء الموت
ها أنت هناك
ملفوف داخل حدود الحرب
لا شيء يدلّ على عمرك سوى قامتك الصغيرة
وها هي أمّك تنتظر هناك
سُكون الحزن قبل الانهيار
لا عَلَمَ ليحدّثنا عن قصّتك
سوى امتزاج الأبيض بالأحمر
بينما تُنْزع الضمّادات
واحدة إثر أخرى
ومن خلال فتحة بالكاد تكفي لتضع عليها أمٌّ قبلة
تتجلّى هويّتك بشكل خاطف
ها أنت هناك إذن
ملفوف في أغلال الحرب
والآن تختفي وراء نشرات الأخبار التلفزيونية
أشياء لا تستطيع أن تمحوها من الذاكرة
وأنت تفكّ الأغلال
أشياء يجب ألاّ تراها أبدا.
طفل يسأل متى ستنمو ذراعي؟
أيها الطفل الغضّ
اُنظر إلى تلك السنديانة العظيمة
تبْكي في عواصف الشتاء
أطرافها المقطوعة
شظايا من مروج
الغياب تحت الأقدام.
ولكن اُنظر مرة أخرى
إلى ذلك الجذع النازف
لتعرف أنه حتى في جفافه
تبقى هناك حياة مستدامة
ومتأثرّة إلى الأبد
ليس فقط بما هو مسروق
ولكن بما يبقى على قيد الحياة
شهادةً صلبة لا تلين
على قسوة الفقدان.
مجهول رقم 99
في المستشفى رضيع
يحمل شارة مكتوب عليها:
مجهول الهوية رقم 99
كما لو كان هدية غريبة وغير مهمة
أُسقطت من قائمة الهدايا القيّمة
لتستقر في قائمة من دون اسم
ولكني سأسمّيكَ
المعجزة الصغيرة
وسأتجرّأّ على التفكير
في مستقبلك الزاهر
عندما يأخذك الوقت
إلى مكان ما
حيث يحنو النور عليك كالمهد
وتستعيد الأسماء المعروضة
هويتها
حيث يستطيع القمر أن يلاحق النجوم
في سماء صافية
ويتخلّى الصمت
عن حنينه للنوم
مثل ثلج ذائب.
أراك هناك
يا معجزة الحرب، يا صغيري
بطنك ممتلئة مرة أخرى
وقلبك هو الحضور النابض
لأمّة في حالة حِداد
دمار شامل
انظروا
عندما تقولون إنكم لا تستطيعون أن تنظروا
واشطفوا عيونكم
بقلوب
تسقط وتصعد وتسقط
حتى يقبل الله أخيرا
سكينة أجسادهم شهادة.
انظروا
وتأملوا كيف تفشل المعاناة
في اختراق وعي العالم، حيث تقطع حبال السرة
بالحجارة
وتقطع الأطراف بمنشار جيلي السلكي.
انظروا
وتذكروا أن حقول الأعشاب الطفيلية
لن تطعم الجائعين أبدا
وأن بدلة الوقاية الكاملة لن تزيل
صرير أسنان الأطفال البائسين
وأن كل الطرق تؤدي إلى الموت
انظروا
وفكروا كيف أنّ ما يكفي
لا يبدو أبدا أنه كافٍ
وعندما ننظر تجاه الجهة الأخرى
فإننا نصبح متواطئين
بسبب امتناعنا عن فعل أي شيء.
حق العودة
في راحة يده المغبرّة مفتاحٌ
يعرف بَرْدَ لهيبه اللافح على جلده
أثرهُ المعدنيّ المخيّط
مثل وشم على قماش أحلامه،
بينما الفم المتيبس عطشا للقفل
يصرخ على باب
في مكان ما مِن الماضي
منتظرا العودة
منتظرا معجزة
غير مكسور
(لأجل غزة)
لعلكم تظنون أنكم قد أسكتّمونا
ولكن أصوات أسلافنا
ما تزال تغنّي في الشوارع التي خرّبتها
آلاتُ دماركم
لعلكم تظنّون أنكم قد يتّمتمونا
ولكن كل روح تملك جنتها
وكل فقيد لا يزال يتنفس
في هؤلاء الذين تركهم وراءه.
لعلكم تظنون أنكم قد جوّعتمونا
ولكن عظامنا العارية
ستخترق التربة يوما ما لتغذي
وعد البدايات الجديدة.
لعلكم تظنون أنكم قد دمّرتمونا
ولكن حتى حطام ما سيتبقى
يمكن أن يتعلم كيف يكون أساسا مرة أخرى
وبلادا تولد من جديد.
لعلكم تظنون أنكم قد دَفنتمونا
ولكننا سنكون أشباحا تقضّ مضاجعكم
في الهزيع الثاني من ليل نومكم
وتملأ كل خيالاتكم رعبا
قد تظنون أنكم قد كسرتمونا
ولكننا أقوى مما تظنون
أقوى بسببكم
أقوى رغما عنكم.
فكرة خطرت على بالي بشكل متأخر
قل للمهجّرين إنهم سيجدون بيتا،
إذا لم يموتوا وهم يمشون
قل للذين بترت أعضاؤهم أنهم سيتعلّمون
الحبْوَ مرة أخرى خلال خمس سنوات
قل للمدفونين إنهم سيعيشون
داخل القلوب النابضة لأولئك الذي بقوا أحياء.
قل لليتامى إنّ تعاطف الآخرين
لن يداوي وحدتهم أبدا.
قل لمن تركوا لمصيرهم إنهم سيُذكرون يوما ما
لجَلَدِهم.
قل للجوعى إن عبارة «جلد على عظم»
اسم على مسمّى
قل للمفقودين إنهم قد أصبحوا مجرّد أرقام الآن
وضاعوا في أثير الإحصائيات والإهمال.
قل للأطفال أنكم لم تنسوهم
عندما توقفت صورهم عن احتلال شاشات تلفزيوناتنا.
قل لكل من يريد أن يسمع إنّ العالم قد ضاع بالتأكيد
إذا أصبح الموتى مجرد فكرة تخطر على البال.
رغبة
هدوء الطائرات المسيرة يجد العزاء
في سماء فارغة
وفي الأسفل
رجاء.
هايبون لأجل غزة
هل ثمة أهمية لما قلتُ لك؟ إذا قلت لك إن خدّ أختي الدافئ يضغط على خدّي مثل قبلة، ويتسرّب الدم من جراحها إلى فمي حارا مثل نهر من نار؟ أو كيف أشعر وقد عرفت أنّ وزنها الخفيف هو الذي حَماني من الموت؟ أو إذا كان هناك في مكان ما أبعد من هذا الظلام الخانق صوت أبينا يرتدّ من خلال الأنقاض وهو يبحث عن أنفاسنا الجماعية؟ هل سيكون لذلك أي أهمية حقا؟ أنادي، بابا، بابا، في المساحة المتورّمة من فمي، ولكن الصوت يتسرّب في نفسه، ويتلاشى في وعيي وفي المرض الجلدي المتنامي لأختي. ورغم ذلك أعتقد أني في مكان آمن، أكثر أمنا من المكان العلوي الذي يعتبر أخطر مكان على الأرض يمكن أن يوجد فيه طفل، وحيث يطحن أبونا أصابعه لتتحول إلى غبار. إذن، حتى في هذا الجحيم حيث وجدتْ أختي نعيمها، فإني أشعر بالامتنان. والله رحيم. لقد نزع من أذني أزيز طائرات الدرون والخطر الذي مثلته كل هذه الساعات في كل هذه النهارات منذ البداية. ثمة إحساس بالراحة في هذا الهدوء غير المألوف لذلك أغلق عينيّ وأرحب بنهايته الحاسمة، ولكني أدرك أيضا، العذاب الذي سيسببّه موتي. لهذا، أتنفس وأصلّي، تتلامس أطراف أصابعي مكوّنة جسرا من الصلوات في هذا المسجد الصغير من الهواء حيث أنتظر الآن، فقط ليتمّ نبشي من بين الأنقاض.
ذرة من الضوء
في غبار يأسنا
تضيء الظلام



