نابلس- واثق نيوز ـ تقرير : سهير سلامة- تعيش الأسر الفلسطينية اليوم، واقعا اقتصاديا عسيرا، تتلاشى فيه الفروق الطبقية بشكل متسارع، لتنزلق فيه مئات الآلاف من الاسر ، نحو ما دون خط الفقر المدقع، وان كان مجازا كلاميا، فهو واقع، ولا بد من الاعتراف به.
ففي ظل فجوة هائلة بين مداخيل تتآكل، وأسعار تحلق عاليا، تحولت معركة المواطن اليومية من البحث عن الاستقرار، إلى مجرد تأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الهشاشة الاقتصادية، لتشمل الغالبية العظمى من المجتمع خلال العام الجاري.
عفانة :ي جب مراقبة الاسواق ..
ويقول الخبير في الشأن المالي، والمحلل الاقتصادي، مؤيد عفانة: الاصل ان يكون هناك انخفاض في أسعار السلع المستوردة، تبعا لانخفاض سعر صرف الدولار، العالمي، ولكن على الأرض واقعنا الاقتصادي الفلسطيني، وبسبب انكماش دورة الاقتصاد، فان تلك الآثار بحاجة إلى زمن لتتلاشى، كذلك توجد ضرورة لمراقبة الأسواق، والأسعار من قبل جهات انفاذ القرار، لضمان ذلك.
في حين تصطدم، يوميات الأسرة الفلسطينية بأرقام تعكس عمق الأزمة، وتجاوزها للمقاييس التقليدية، ففي حين كان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يحدد خط الفقر الوطني، لأسرة مكونة من خمسة أفراد بنحو 2717 شيكلا، في عام 2024، تؤكد معطيات السوق الحالية أن هذا الرقم فقد قيمته الفعلية جراء التضخم المالي، وأصبحت قدرة الكلفة الحقيقية لتغطية الاحتياجات الأساسية اليومية فقط، من مأكل ومسكن وكهرباء وأدوية، بما يتراوح بين 3200 و4000 شيكل شهريا، وهو ما يضع شريحة واسعة من الموظفين، والعمال، في عجز مالي دائم.
وتتجلى قسوة هذه المعادلة بوضوح في أحدث الإجراءات الحكومية، حيث اقتصرت الدفعة المالية التي أُقرت لموظفي القطاع العام عن شهر كانون الثاني/يناير الماضي على 2000 شيكل فقط. هذا المبلغ، الذي يضخ في الأسواق في نيسان 2026، يضع آلاف الأسر التي كانت تمثل عماد الطبقة المتوسطة، تلقائيا، تحت خط الفقر المدقع، كونه يغطي بالكاد نصف كلفة المعيشة الأساسية، ما يجبر المواطنين على الاستدانة المستمرة وتقليص استهلاكهم الحيوي.
موظف : الاستلاف مثل حبل المشنقة ..
ولا تقتصر أزمة المداخيل على القطاع العام، بل تمتد لتضرب جذور القطاع الخاص وسوق العمل برمته.
محمد صالح، موظف في احدى الوزارات، يقطن احدى قرى مدينة نابلس، يقول: انه لم يعد القلق لدى المواطن الفلسطيني مقتصرا على تأخر الراتب في نهاية الشهر، او وقوفه مذهولا، امام اسعار السلع التي تقفز بلا هوادة، بل امتد ليكون شيئ اعمق، وهو الدين، مضيفا ان الدين الذي يستقرضه المواطن اصبح مثل حبل المشنقة حول عنق الموظف، ينتظره كل لحظة وكل حين، وهذا حال الاغلبية من المواطنين والموظفين على حد سواء.
في حين تكشف المعطيات، أن نحو 14.6 بالمئة من العاملين بأجر في القطاع الخاص، بالضفة الغربية يتقاضون رواتب تقل عن الحد الأدنى القانوني، والبالغ 1880 شيكلا. ويتزامن هذا الضعف في الأجور مع صدمة تشغيلية كبرى، إثر فقدان عشرات الآلاف من العمال لمصدر دخلهم الرئيس، مع تراجع أعداد العاملين داخل الاراضي المحتلة عام 48، من نحو 200 ألف عامل، إلى نحو 50 ألفا فقط، ما حرم آلاف الأسر من أي سيولة نقدية.
وتكتسب هذه المؤشرات الراهنة خطورتها عند البناء على المخرجات التراكمية التي رصدتها الجهات الرسمية مؤخراً. فبحسب تقرير مرجعي مشترك للإحصاء وسلطة النقد صدر في نهاية عام 2025، تراجع إجمالي الاستهلاك في الأراضي الفلسطينية بنسبة 24 بالمئة (بواقع 12 بالمئة في الضفة و81 بالمئة في غزة)، وهو مؤشر مباشر على اتساع رقعة الفقر ولجوء غالبية الأسر، القسري، للتقشف وحرمان نفسها من سلع أساسية، بحته تختاجها كل الاسر .
بوابة التجارة الالكترونية ..
فيما يؤكد عفانة المحلل المالي والاقتصادي، ان إطلاق بوابة التجارة الإلكترونية، التي تعمل عليها الحكومة الفلسطينية، هو توجه ايجابي نحو تعزيز الاقتصاد الرقمي في فلسطين، خاصة مع التحول الرقمي العالمي، والاستفادة من رافعة التحول الرقمي، وتوظيف بوابة التجارة الإلكترونية، نحو الوصول إلى الأسواق العالمية، وفتح منافذ تسويقية للمنتجات الوطنية الفلسطينية على مستوى العالم.
واضاف، ان هذا الامر، سوف يعزز من الاقتصاد الوطني، ومن حضور المنتج الوطني عالميا، اضافة إلى تعزيز التجارة الإلكترونية محليا، وبالتالي سيعمل على تنمية قدرة الاقتصاد الوطني، على الوصول والمنافسة، وهي خطوة تأتي استكمالا لقانون التجارة الإلكترونية.
مستويات البطالة ..
واظهرت المعطيات الرسمية كيف قفزت مستويات البطالة، لتبتلع نحو نصف القوى العاملة الوطنية، بمعدل 46 بالمئة، مسجلة 28 بالمئة في الضفة الغربية، في حين بلغت 78 بالمئة في قطاع غزة.
ولكن الاصعب، في ذلك الرصد، هو الإقرار بأن المشهد في غزة تجاوز مفهوم الفقر التقليدي ليبلغ حد المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، ما دفع معدلات الفقر الوطنية العامة لملامسة حاجز 74 بالمئة.
ومع استمرار الانهيار الاقتصادي في عام 2026، تضع هذه التراكمات المشهد أمام سؤال مفتوح ومقلق. فإذا كانت بيانات نهاية العام الماضي، قد وثقت هذا التراجع الحاد في المداخيل، وعجز الأسر، عن تلبية اكثر الحاجات من استهلاكها الطبيعي، فإلى أي مستوى كارثي انحدرت معدلات الفقر الفعلية اليوم، في وقت يواجه فيه سوق العمل شللا عميقا وتكتفي الحكومة بضخ دفعات لا تكاد تسد الرمق.



