رئيس التحرير

دهاء كيسنجر وعنجهية ترامب: بين براغماتية الدولة واستعراض القوة

64 مشاهدة
دهاء كيسنجر وعنجهية ترامب: بين براغماتية الدولة واستعراض القوة

الكاتب : واصل الخطيب

شهدت السياسة الأمريكية خلال العقود الأخيرة شخصيتين تركتا بصمات عميقة على صورة الولايات المتحدة في العالم، لكن بأسلوبين مختلفين تمامًا: هنري كيسنجر، مهندس الدبلوماسية الواقعية وصاحب العقل الاستراتيجي البارد، ودونالد ترامب، الرئيس الذي اعتمد لغة المواجهة المباشرة والشخصنة السياسية. وإذا كان كيسنجر قد اشتهر بدهائه السياسي وقدرته على إدارة التوازنات الدولية من خلف الكواليس، فإن ترامب ارتبط في أذهان كثيرين بالعنجهية السياسية والثقة المفرطة بالنفس التي جعلت من شخصيته جزءًا من أدوات السياسة الأمريكية ذاتها.

كان هنري كيسنجر يمثل مدرسة "الواقعية السياسية" التي تنظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها ساحة مصالح لا مكان فيها للعواطف أو الشعارات الأخلاقية. وقد برز دوره بشكل خاص خلال سبعينيات القرن العشرين عندما قاد جهود التقارب بين الولايات المتحدة والصين، في خطوة اعتبرت من أكثر المناورات الدبلوماسية ذكاءً في القرن العشرين. فقد أدرك كيسنجر أن استثمار الخلاف الصيني السوفييتي يمكن أن يمنح واشنطن موقعًا أفضل في الحرب الباردة، فرتب زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين، محدثًا تحولًا استراتيجيًا غيّر موازين القوى العالمية.

لم يكن دهاء كيسنجر مقتصرًا على الصين فقط، بل امتد إلى إدارة الأزمات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا. فقد كان يؤمن بأن النجاح السياسي لا يتحقق عبر الخطابات الرنانة، بل من خلال قراءة دقيقة لموازين القوة وتحريك اللاعبين الدوليين بطريقة تحقق المصالح الأمريكية بأقل تكلفة ممكنة. ولهذا السبب اعتبره البعض عبقريًا استراتيجيًا، بينما رآه آخرون رمزًا للسياسات البراغماتية القاسية التي تجاهلت أحيانًا الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية.

في المقابل، جاء دونالد ترامب من عالم الأعمال والإعلام، حاملًا معه أسلوبًا مختلفًا تمامًا في إدارة السياسة. فبدلًا من الدبلوماسية الهادئة والمفاوضات السرية التي اشتهر بها كيسنجر، اعتمد ترامب على التصريحات الصاخبة، واستخدام وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي كأدوات ضغط سياسي. وقد كان يؤمن بأن إظهار القوة والثقة المطلقة بالنفس يمنح القائد القدرة على انتزاع التنازلات من الخصوم والحلفاء على حد سواء.

تجلت عنجهية ترامب في العديد من المواقف، سواء في تعامله مع قادة الدول الكبرى أو مع المؤسسات الدولية. فقد انتقد حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو، وهدد بإعادة النظر في الالتزامات الأمريكية تجاههم، كما دخل في مواجهات سياسية وتجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك. وكان يكرر باستمرار أنه وحده القادر على إصلاح الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات السابقة، وهو خطاب عزز صورة الزعيم الواثق بنفسه إلى حد المبالغة.

لكن هذه العنجهية لم تكن مجرد سمة شخصية، بل تحولت إلى جزء من استراتيجية سياسية تقوم على إرباك الخصوم وكسر القواعد التقليدية. فترامب كان يدرك أن إثارة الجدل تجذب الانتباه وتمنحه مساحة أكبر للتأثير على الرأي العام. ومع ذلك، فإن هذا الأسلوب خلق حالة من الانقسام الحاد داخل الولايات المتحدة وخارجها، إذ رأى فيه مؤيدوه تعبيرًا عن الحزم والقوة، بينما اعتبره منتقدوه انعكاسًا للغرور السياسي وقلة الخبرة الدبلوماسية.

وعند المقارنة بين كيسنجر وترامب، يظهر اختلاف جوهري في فهم السلطة واستخدامها. فالأول كان يفضل العمل في الظل، مستندًا إلى المعرفة العميقة بالتاريخ والجغرافيا السياسية، بينما اعتمد الثاني على الحضور الإعلامي المكثف والتأثير المباشر في الجماهير. كان كيسنجر يخطط لسنوات وربما لعقود، في حين يميل ترامب إلى اتخاذ قرارات سريعة تعكس رؤيته الشخصية للنجاح والفشل.

أما في ما يتعلق بالملف الإيراني، فقد عكست سياسة ترامب نموذجًا قائمًا على الضغط الأقصى والمواجهة المباشرة. فمنذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، سعت إدارته إلى فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على إيران بهدف إجبارها على إعادة التفاوض وفق شروط أكثر صرامة. وقد اعتقد ترامب أن تشديد الخناق الاقتصادي سيؤدي إلى تغيير سلوك طهران الإقليمي وإضعاف نفوذها في الشرق الأوسط. غير أن هذه السياسة، رغم ما أحدثته من ضغوط اقتصادية كبيرة، لم تنجح في إنتاج تسوية سياسية شاملة، بل أدت إلى تصاعد التوترات الإقليمية وزيادة الشكوك المتبادلة بين الطرفين.

ولو كان هنري كيسنجر حاضرًا في قلب عملية صنع القرار خلال تلك المرحلة، فمن المرجح أنه كان سيتعامل مع الملف الإيراني بمنطق مختلف. فالرجل الذي اشتهر بفلسفة التوازنات الدولية كان يدرك أن الدول الكبرى لا تُدار فقط بالعقوبات والتهديدات، بل أيضًا بفتح قنوات تفاوض تسمح بتحقيق مكاسب متبادلة. وربما كان سيعتبر أن الهدف الاستراتيجي لا يكمن في إخضاع إيران بالكامل، بل في احتواء نفوذها وإدماجها ضمن معادلة إقليمية تضمن استقرار التوازنات وتمنع اندلاع مواجهة واسعة النطاق.

كان كيسنجر يميل إلى استخدام الضغوط كوسيلة تفاوض لا كغاية في حد ذاتها، ولذلك قد يكون جمع بين العقوبات والاتصالات الدبلوماسية السرية، على غرار ما فعله في ملفات دولية أخرى خلال الحرب الباردة. وفي حين راهن ترامب على إظهار القوة والقدرة على فرض الإرادة الأمريكية، كان كيسنجر على الأرجح سيراهن على استثمار التناقضات الإقليمية والدولية المحيطة بإيران للوصول إلى تسوية تحفظ المصالح الأمريكية دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن عنجهية ترامب في إدارة الملف الإيراني انطلقت من قناعة بأن الضغط المتواصل سيؤدي تلقائيًا إلى الاستسلام أو التراجع، بينما كان دهاء كيسنجر سيبحث عن نقطة توازن تسمح بتحويل الخصم إلى طرف يمكن التفاهم معه ضمن حدود المصالح المتبادلة. فالأول رأى السياسة ساحة لإظهار القوة، أما الثاني فكان ينظر إليها باعتبارها فنًا لإدارة القوة وتوجيهها نحو أهداف بعيدة المدى.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين الرجلين يتمثل في إيمانهما القوي بالمصلحة الأمريكية. فكيسنجر استخدم الدهاء الدبلوماسي لتعزيز نفوذ بلاده عالميًا، وترامب استخدم لغة القوة والضغط الاقتصادي والسياسي لتحقيق الهدف نفسه. غير أن الوسائل كانت مختلفة؛ فالأول اعتمد على الحسابات الدقيقة والتوازنات المعقدة، بينما اعتمد الثاني على الصدام والمفاجأة وإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية.

إن دراسة شخصيتي كيسنجر وترامب تكشف عن وجهين مختلفين للقوة الأمريكية. فدهاء كيسنجر يعكس قوة العقل الاستراتيجي القادر على إدارة التناقضات الدولية بحنكة وصبر، أما عنجهية ترامب فتعكس نموذجًا يقوم على استعراض القوة والثقة المطلقة بالقدرة على فرض الإرادة" ثقافة الكاوبوي". وبين هذين النموذجين تتجسد التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية من عصر الدبلوماسية التقليدية إلى عصر السياسة الشعبوية والإعلامية، حيث أصبحت الشخصية الفردية للقائد عاملًا مؤثرًا لا يقل أهمية عن المؤسسات والاستراتيجيات الكبرى.

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية