آراء

الضحية والإبادة كخوازرمية تدر أرباحا !

17 مشاهدة
الضحية والإبادة كخوازرمية تدر أرباحا !

 الكاتب : سامي مشعشع

في كل مأساة إنسانية كبرى، يظهر من يسعى إلى نقل الحقيقة، ومن يوثق الجرائم، ومن يستخدم صوته للدفاع عن الضحايا. لكن تظهر أيضاً فئة أخرى أقل نبلاً وأكثر انتهازية، ترى في المأساة فرصة، وفي الدم وهدره سلعة قابلة للتسويق. وما يحدث اليوم في غزة وفي الضفة الغربية والقدس الشرقية، يكشف عن نشوء ظاهرة تستحق التوقف عندها بجدية: ظاهرة “مؤثري الإبادة” أو Genocide Influencers [هذه التوليفة ليست من صياغتي ويستخدمها كثيرون). 

 تحولت القضية الفلسطينية، خصوصا بعد تغول حرب الإبادة على غزة، إلى واحدة من أكثر المواضيع تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي. وقد أسهم ذلك في كسر احتكار الرواية التقليدية (المناهضة لحقوقنا كفلسطينيين خصوصا فى أمريكا واوروبا)، وفي إيصال صور الضحايا إلى مئات الملايين حول العالم. غير أن الوجه الآخر لهذه الظاهرة كان أقل إشراقاً. فمع ارتفاع نسب المشاهدة والتفاعل، اكتشف كثيرون أن الحديث عن غزة لا يجذب الانتباه فقط، بل يمكن أن يدر أرباحاً أيضاً (وهذا ايضا حصل مع الحرب الدائرة فى أوكرانيا).

شيئاً فشيئاً، نشأ اقتصاد رقمي كامل حول المأساة. حسابات متخصصة في إعادة تدوير الأخبار والصور، ومؤثرون يتنافسون على نشر المواد الأكثر صدمة، وشبكات من صناع المحتوى يروج بعضهم لبعض بهدف رفع نسب الوصول والتفاعل (والمردود المالى بالطبع). وأصبح من المألوف أن تتحول مشاهد الدمار والجوع والقتل إلى مادة يومية في سباق الخوارزميات، واللهث حول الهدف المقدس —ال 'viral’ — حيث تقاس القيمة بعدد المشاهدات لا بعمق الفهم أو دقة المعلومات.

وليس المقصود هنا أولئك الصحفيون والباحثون والناشطون الذين وظفوا المنصات الرقمية لكسر الصمت وتوثيق الانتهاكات والدفاع عن حقوق الإنسان. فهؤلاء أدوا، وما زالوا يؤدون، دوراً بالغ الأهمية في نقل حقيقة ما يجري (وهذا يحسب لهم فى ميزان حسناتهم!). المقرف هنا عندما تصبح القضية والمأساة وبكاء طفلة وهدم خيمة وتصوير طوابير توزيع  المساعدات "مادة" لبناء العلامة التجارية الشخصية، أو عندما يتحول الضحايا إلى خلفية درامية و 'سلعة'  لمشروع فردي قائم على جمع المتابعين والإعجابات والعائدات المالية.

وذات الظاهرة هذه برزت داخل الأوساط الفلسطينية والعربية نفسها. فمع الانهيار الاقتصادي واتساع تأثير المنصات الرقمية، لجأ كثير من الفلسطينيين إلى صناعة المحتوى بوصفها وسيلة للبقاء أو لنقل واقعهم إلى العالم. وقد نجح كثيرون منهم في أداء دور فعال ومهم، لكن بعضهم وقع أيضاً في إغراءات السوق الرقمي ذاته . فالتفاعل أصبح رأس مال، والشهرة أصبحت مورداً، والخوارزمية أصبحت لاعباً مؤثراً في تحديد طبيعة الرسائل وأشكالها. ومع مرور الوقت، بدأ بعض المحتوى يُنتج لأنه يحقق انتشاراً ومردودا، لا لأنه يضيف فهماً أعمق أو معرفة أكثر دقة.

وأضيف هنا بعداً ثالثاً أكثر تعقيداً ويغضبني كثيرا ويتمركز بالأساس فى أمريكا . ففي الولايات المتحدة ، استخدمت بعض الأصوات والتيارات السياسية (خصوصا اليمينية وفريق "امريكا اولا") القضية الفلسطينية في إطار صراعاتها الداخلية وحروبها الأيديولوجية. ففي الوقت الذي يهاجم فيه البعض نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل أو ينتقد الدعم الأمريكي غير المشروط لها، لا يكون الفلسطيني دائماً محور الاهتمام الحقيقي، بل يصبح أحياناً أداة في معركة أخرى تدور داخل المشهد السياسي الأمريكي نفسه.

وفي بعض الحالات، بجرى تقديم القضية الفلسطينية من خلال عدسات انتقائية تخدم أولويات سياسية أو ثقافية غربية محددة. فبدلاً من تناول المأساة الفلسطينية بوصفها معاناة شعب كامل، يجري أحياناً التركيز بصورة مكثفة على معاناة فئة بعينها، كالمسيحيين الفلسطينيين مثلاً، وكأن قيمة المأساة أو مشروعية التضامن معها تستمد من هوية بعض ضحاياها الدينية لا من حقيقة الظلم الواقع عليهم. اختزال فلسطين في بعدها المسيحي فقط أو الإسلامي فقط أو أي بعد انتقائي آخر، ينتهي إلى تشويه الصورة الكاملة. فالفلسطيني الذي يقتل تحت الأنقاض لا يُسأل عن دينه، والطفل الذي يموت جوعاً لا يحمل شهادة طائفية، والأم التي تفقد أبناءها لا تتألم وفق هوية دينية او مناطقية محددة.

ثمة فرق جوهري بين من يستخدم منصته لخدمة القضية (ان كان فلسطينيا) او للدعم والمناصرة (ان لم يكن فلسطينيا)، ومن يستخدم القضية لخدمة منصته. 

في الحالة الأولى، يبقى الإنسان الفلسطيني في مركز الرواية، وتبقى كرامته وحقوقه هي الغاية. أما في الحالة الثانية، فإن القضية تتحول إلى أداة، والضحايا إلى وسيلة، والمعاناة إلى مورد قابل للاستثمار المالي أي السياسي  وأحيانا كلاهما !. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الخطر مقتصراً على تشويه الحقيقة، بل يمتد إلى تجريد الضحايا من إنسانيتهم للمرة الثانية: مرة تحت القصف أو القمع أو التهجير، ومرة أخرى داخل اقتصاد  العالم الرقمي الذي يحوّل آلامهم إلى مشاهدات وإعجابات وعائدات مالية.

لسنا علامة تجارية!

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية