آراء

ماذا نريد من اللجنة المركزية والمجلس الثوري؟

21 مشاهدة
ماذا نريد من اللجنة المركزية والمجلس الثوري؟

الكاتب: عبد العظيم عبد الحق حسن 


المواقع التنظيمية ليست امتيازا ولا وجاهة، بل مسؤولية وطنية وتنظيمية تقاس بالانجاز والمحاسبة وخدمة المشروع الوطني.
انتهت الانتخابات، وحسمت أسماء الفائزين، وطويت صفحة التنافس على المواقع التنظيمية. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن فاز ومن لم يفز، بل بما الذي سيفعله الذين نالوا ثقة أبناء الحركة وحملوا على أكتافهم مسؤولية قيادتها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ شعبنا وقضيتنا.
فالمواقع التنظيمية ليست أوسمة تعلق على الصدور، ولا امتيازات تمنح أصحابها نفوذا أو مكانة خاصة، وإنما هي تكليف وطني وتنظيمي يفرض على صاحبه مسؤوليات أكبر ومحاسبة أشد. ومن هنا فإن نجاح اللجنة المركزية والمجلس الثوري لن يقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدانها أو البيانات التي يصدرانها، وإنما بقدرتهما على مواجهة التحديات الوطنية والتنظيمية التي تعترض طريق الحركة والقضية الفلسطينية.
إن أول ما نريده من اللجنة المركزية أن تنشغل بالقضايا الكبرى لا بالتفاصيل الصغيرة، وأن تتفرغ لصناعة السياسات والقرارات والاستراتيجيات القادرة على حماية المشروع الوطني الفلسطيني في ظل ما تتعرض له القضية من محاولات استهداف وتصفية وتهميش. فالمطلوب منها أن تقدم رؤية سياسية واضحة للمرحلة المقبلة، وأن تقرأ المتغيرات الإقليمية والدولية بعين واعية، وأن تبني سياساتها على أساس حماية الحقوق الوطنية والثوابت الفلسطينية وصون مكانة الحركة ودورها التاريخي.
كما نريد من اللجنة المركزية أن تعمل على استعادة ثقة الجماهير بالحركة ومؤسساتها. فالجماهير لا تبحث عن الخطب الرنانة بقدر ما تبحث عن قيادة قريبة من همومها وقادرة على تحويل الشعارات إلى أفعال والوعود إلى إنجازات. والحركة التي نشأت من قلب الشعب لا تستطيع أن تستعيد قوتها إلا من خلال تجديد علاقتها بجماهيرها وتعزيز حضورها بينهم والاستماع إلى نبضهم وتطلعاتهم.
ونريد من اللجنة المركزية أيضا أن تضع قضية الوحدة الوطنية في مقدمة أولوياتها. فقد دفع شعبنا ثمنا باهظا للانقسام الفلسطيني الذي استمر سنوات طويلة واستنزف طاقات الشعب والقضية معا. لكن المطلوب اليوم ليس مجرد تكرار الشعارات أو إعادة إنتاج الحوارات نفسها التي استمرت سنوات دون نتائج حقيقية، وإنما إجراء مراجعة سياسية جادة للتجربة بأكملها.
فمنذ سنوات طويلة عقدت عشرات الاجتماعات وجولات الحوار والاتفاقات والمبادرات من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، ومع ذلك بقي الواقع على حاله، بل ازداد تعقيدا. ومن حق أبناء الحركة والشعب الفلسطيني أن يعرفوا ما هي الخلاصة التي توصلت إليها القيادة بعد كل هذه التجربة الطويلة.
إن الوحدة الوطنية ليست قيمة شكلية، بل ضرورة وطنية عليا. لكن الحفاظ على هذا الهدف لا يعني تجاهل الحقائق االتي أفرزتها التجربة. فإذا كانت هناك قوى ما زالت متمسكة بسقوف سياسية أو تنظيمية تجعل تحقيق الوحدة أمرا مستحيلا، فإن من واجب القيادة أن تصارح شعبها بذلك، وأن تقدم رؤية واضحة لكيفية حماية وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله السياسي ومؤسساته الوطنية.
إن المطلووب ليس الاستسلام للانقسام، ولا الاكتفاء بإدارته، بل اتخاذ قرارات سياسية واضحة وشجاعة تنطلق من المصلحة الوطنية العليا. فالوحدة الوطنية لا ينبغي أن تبقى رهينة لمواقف أي طرف، ولا يجوز أن يبقى المشروع الوطني الفلسطيني معطلا بانتظار موافقة هذا الطرف أو ذاك. وإذا أثبتت التجربة أن مسارا معينا لم يعد قادرا على تحقيق أهدافه، فإن مسؤولية القيادة تقتضي البحث عن خيارات جديدة تحفظ وحدة الشعب والقضية وتمنع استمرار استنزاف الزمن والطاقات الوطنية.
إن الجماهير لا تنتظر من القيادة المزيد من الأمنيات، بل تنتظر وضوحا في الرؤية وحسما في القرار، لأن استمرار الواقع القائم لم يعد أقل خطرا من الانقسام نفسه.
كما نريد من اللجنة المركزية أن تعيد الاعتبار للمؤسسات داخل الحركة، وأن تنتقل من إدارة النفوذ إلى بناء النظام المؤسسي. فنجاح أي عضو في القيادة لا ينبغي أن يقاس بعدد الأشخاص الذين يدينون له بالولاء، ولا بعدد الوساطات التي يستطيع إنجازها، ولا بحجم المجمووعة التي تلتف حوله، بل بقدرته على بناء مؤسسات قوية وعادلة وقادرة على خدمة الجميع دون تمييز. فحين تكون المؤسسات قوية تتراجع الحاجة إلى الوساطات، ويصبح الحق حقا للجميع لا منحة من أحد.
لقد عانت الحركة في مراحل مختلفة من تغليب العلاقات الشخصية على العمل المؤسسي، ومن تحويل بعض المواقع التنظيمية إلى ساحات للتنافس على النفوذ بدلا من التنافس على الإنجاز. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو أن ينصرف أعضاء اللجنة المركزية إلى مهامهم الحقيقية كصناع للسياسات وقادة للعمل الوطني والتنظيمي، لا كأصحاب مراكز قوة أو زعامات محلية.
أما المجلس الثوري، فإن المسؤولية الملقاة على عاتقه لا تقل أهمية عن مسؤولية اللجنة المركزية. فهو أعلى سلطة تشريعية ورقابية بين دورتي انعقاد المؤتمر، ودوره الأساس ليس المجاملة أو التصفيق أو الاكتفاء بالاستماع إلى التقارير، وإنما المتابعة والمراقبة والمحاسبة والتقييم.
إن المجلس الثوري القوي هو الضمانة الحقيقية لبقاء الحركة على المسار الصحيح. فعليه أن يتابع تنفيذ قرارات المؤتمر، وأن يراقب أداء اللجنة المركزية، وأن يسأل عن الإنجازات والإخفاقات، وأن يطالب بالتصويب كلما استدعت الحاجة. فالمحاسبة ليست خصومة، بل هي أحد أهم شروط النجاح المؤسسي وأحد أهم عوامل حماية الحركة من الترهل والجمود والانحراف عن أولوياتها.
ولا ينبغي أن تفهم العلاقة بين المجلس الثوري واللجنة المركزية على أنها علاقة صراع أو تنافس، بل هي علاقة تكامل بين قيادة تنفذ وتقود وتبادر، ومجلس يراقب ويحاسب ويصوب ويحمي المسار . فكلما كانت اللجنة المركزية أكثر كفاءة، وكان المجلس الثوري أكثر يقظة، كانت الحركة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها الوطنية والتنظيمية.
إن ما تحتاجه الحركة اليوم ليس مزيدا من مراكز القوى، بل مزيد من قوة المؤسسات. وليس مزيدا من التنافس على النفوذ، بل مزيد من التنافس على خدمة الحركة والوطن. كما أنها لا تحتاج إلى قيادات تبحث عن الأتباع، بل إلى قيادات تبحث عن الإنجاز وتتحمل المسؤولية أمام جماهيرها وأمام تاريخها.
ويبقى المعيار الحقيقي للحكم على اللجنة المركزية والمجلس الثوري بسيطا وواضحا: هل نجحا في جعل الحركة أكثر وحدة وقوة وحضورا؟ وهل أسهما في تعزيز المشروع الوطني الفلسطيني والدفاع عنه؟ وهل استطاعا أن يعيدا الثقة بين الحركة وجماهيرها؟ إن الإجابة العملية عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد مكانة هذه المرحلة في تاريخ الحركة، وهي التي ستمنح النجاح لمن يستحقه أو تكشف التقصير حيث يوجد .

*اسير محرر يقبع في القاهرة 

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية