رام الله-واثق نيوز- أعلنت وزارتا المالية والصحة أنهما تعملان بشكل حثيث لاستكمال ترتيبات عاجلة لضمان توريد كميات طارئة من الأدوية والمستهلكات الطبية المنقذة للحياة، وتلك المخصصة للأورام والأمراض المزمنة، في إطار الجهود المشتركة لإدارة الأزمة الأشد خطورة التي تواجه القطاع الصحي، وبما يحافظ على حياة المرضى من جهة، ويمنع انهيار الخدمات الطبية من جهة أخرى، في الظروف الحرجة الراهنة.
وأكدت الوزارتان، في بيان مشترك اليوم السبت، وهما تضعان العالم أجمع أمام مسؤولياته، أن احتجاز أموال المقاصة للعام الثاني على التوالي لم يعد يتسبب في أزمات اقتصادية واجتماعية فحسب، إنما أصبح يهدد فرص بقاء المرضى على قيد الحياة، ويضاعف معاناة الفئات الضعيفة في المجتمع الفلسطيني، لا سيما الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل وذوو الاحتياجات الخاصة.
وأعلنت الوزارتان توافقهما على الاستجابة للوضع الخاص المتعلق بالأطباء المقيمين وأطباء الامتياز والكادر الطبي ممن هم في حكمهم في المراكز الصحية الحكومية المختلفة، لمساعدتهم على الاستمرار في تقديم الخدمة للمرضى من أبناء شعبهم، مع الأخذ بعين الاعتبار ضغوط العمل والأعباء الكبيرة الملقاة على كاهلهم.
وأهابت الوزارتان، في لحظة فارقة بين بقاء الخدمة وانهيارها، بجميع النقابات التوقف عن أي إجراءات تتعلق بالامتناع عن العمل.
وكانت وزارة الصحة قد حذرت من أن النظام الصحي في الضفة الغربية يواجه واحدة من أخطر الأزمات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة، حيث بات آلاف المرضى يواجهون خطراً مباشراً نتيجة نفاد الأدوية والمواد المخبرية والمستهلكات الطبية الأساسية من المستشفيات الحكومية والمستودعات المركزية.
ووفقاً للوزارة، فقد وصل أكثر من ثلث الأدوية المدرجة على قائمة الأدوية الأساسية إلى مستوى الصفر في المخزون، فيما انخفضت مئات الأصناف الأخرى إلى ما دون مستويات الطوارئ. وتهدد هذه الأزمة حالياً حياة أكثر من 4,000 مريض بالسرطان، إضافة إلى آلاف مرضى غسيل الكلى والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة تهدد حياتهم.
وأوضحت الوزارة أن أكثر من 726 صنفاً من الأدوية والمستلزمات الطبية أصبحت غير متوفرة حالياً في مستودعاتها، بما يشمل أدوية أساسية ومنقذة للحياة، وعلاجات السرطان، ومخزون الطوارئ، ومرشحات غسيل الكلى، وخيوط الجراحة، ومستلزمات قسطرة القلب، والمواد المخبرية، والمستهلكات الطبية التخصصية.
وقد انعكس هذا النقص بشكل حاد على عمل المستشفيات. وتشير الأرقام الرسمية إلى إجراء نحو 65 ألف عملية جراحية كبرى وصغرى في المستشفيات الحكومية خلال عام 2025، فيما أُجريت حوالي 19,500 عملية جراحية بين بداية عام 2026 والأول من حزيران/يونيو 2026. إلا أن أكثر من 11 ألف عملية جراحية مجدولة تم تأجيلها بسبب نقص المستلزمات الطبية وخيوط الجراحة وغيرها من المواد الضرورية، إلى جانب الإضرابات وتقليص ساعات العمل الناتجة عن الأزمة المالية.
ويُعدّ النقص في أدوية علاج السرطان الأكثر إثارة للقلق، إذ أفادت الوزارة بأن 50 دواءً من أصل 97 دواءً مخصصاً لعلاج الأورام قد نفد بالكامل من المخزون، ما يحرم مرضى السرطان من بروتوكولات علاجية أساسية. كما أشارت إلى نفاد 79 صنفاً من المواد المخبرية و265 صنفاً من المستهلكات الطبية التخصصية، مما يفاقم الأزمة في المستشفيات والمختبرات وغرف العمليات والوحدات المتخصصة.
وفي صلب هذه الأزمة تقف الأوضاع المالية المتدهورة للسلطة الفلسطينية، والتي تربطها الوزارة مباشرة باستمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة الفلسطينية. وتمثل هذه الإيرادات الضريبية جزءاً أساسياً من الدخل العام، إذ أوضحت الوزارة أنها تشكل نحو 68% من إيرادات وزارة المالية، وقد تم احتجازها لأكثر من 15 شهراً.
وأكدت الوزارة أن الأزمة المالية أضعفت قدرة الحكومة على سداد مستحقات شركات الأدوية والموردين والمستشفيات ومزودي الخدمات الصحية، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ أو توقف سلاسل التوريد الطبية واستنزاف المخزون الاستراتيجي من الأدوية.
ويتمثل جانب بالغ الخطورة من الأزمة في تأثيرها على الشركات الخاصة التي طالما زودت وزارة الصحة بالأدوية والمستلزمات الطبية. فعلى الرغم من الضغوط المالية الشديدة التي تواجهها، واصلت شركات الأدوية والمستلزمات الطبية الكبرى لعدة اشهر وبعضها لعدة سنوات توفير الأدوية والمعدات الطبية للقطاع العام دون الحصول على مستحقاتها المالية.
وتدين السلطة الفلسطينية ووزارة الصحة لهذه الشركات بمبالغ ضخمة، حيث أوضحت الوزارة أن إجمالي ديونها بلغ 3.8 مليار شيكل، منها 1.3 مليار شيكل مستحقة لموردي الأدوية والمستهلكات الطبية.
وقد تحملت هذه الشركات فعلياً جزءاً من عبء النظام الصحي العام عبر التوريد بالائتمان، إلا أنها باتت تقترب من حدود قدرتها على الاستمرار. فالكثير منها لم يعد قادراً على مواصلة استيراد الأدوية والمعدات الطبية أو شرائها أو تخزينها أو توزيعها دون الحصول على مستحقاته المالية. ولن يقتصر تأثير انهيار هذه الشركات على القطاع الخاص فحسب، بل سيؤدي إلى فقدان إحدى آخر الدعائم التي ما زالت تحافظ على تزويد المستشفيات بالمستلزمات الضرورية.
ومعظم هذه الشركات توقفت عن التوريد لوزارة الصحة، لعدم مقدرتها على التوريد لانهم هم أنفسهم تعثروا من حجم المديونية ، وبالتالي ستكون النتائج كارثية، مع تعرّض آلاف المرضى لخطر فقدان إمكانية الوصول إلى العلاجات المنقذة للحياة.
كما استقطبت الأزمة اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية. فقد ذكرت صحيفة هآرتس العبرية، في تقرير نشرته بتاريخ 3 حزيران/يونيو 2026 أن الصيدليات العامة في الضفة الغربية بدأت تنفد من معظم الأدوية، وأن العديد من المرضى غير قادرين على تحمل تكاليف شراء البدائل من السوق الخاصة. وأشار التقرير إلى أن مصادرة إسرائيل لعائدات الجمارك أسهمت بشكل كبير في تفاقم ديون وزارة الصحة الفلسطينية، محذراً من أن الوزارة قد تصبح قريباً عاجزة عن تقديم الخدمات الصحية الأساسية.
وأكدت وزارة الصحة أن الحكومة الفلسطينية تبذل جهوداً عاجلة لمنع الانهيار الكامل من خلال إعطاء الأولوية للاحتياجات الطارئة، وإدارة الموارد المحدودة، والسعي لتأمين الأدوية والمستلزمات المتاحة. لكنها حذرت من أن جميع الحلول المؤقتة الممكنة لن تكون كافية إذا استمر احتجاز أموال المقاصة.
كما ناشدت الوزارة المجتمع الدولي ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والدول المانحة التدخل الفوري، مطالبة بممارسة الضغط للإفراج عن الإيرادات الفلسطينية المحتجزة وتقديم دعم مالي وطبي عاجل لمنع انهيار الخدمات الصحية الأساسية.
ودعت الوزارة كذلك إلى توفير دعم طارئ من الجهات المانحة لتأمين أدوية منقذة للحياة بقيمة تقدر بنحو 50 مليون دولار لمدة عام، إضافة إلى 50 مليون دولار أخرى لتوفير أدوية شديدة الأهمية، فضلاً عن دعم أوسع للمستهلكات الطبية ورواتب موظفي الوزارة وموردي القطاع الخاص. وأوضحت أن الاحتياجات الشهرية لرواتب موظفي وزارة الصحة تبلغ نحو 60 مليون شيكل.
وتتزامن أزمة الضفة الغربية مع الكارثة المستمرة في قطاع غزة، حيث تواجه المستشفيات والمراكز الصحية هناك أيضاً نقصاً حاداً في الأدوية والوقود والمعدات والإمدادات المنقذة للحياة، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية الصحية.
ويحذر المسؤولون الصحيون من أنه من دون تدخل عاجل، ستنتقل الأزمة من مرحلة النقص إلى مرحلة الانهيار الكامل. فالخطر المباشر ليس مؤسسياً أو مالياً فحسب، بل إنسانياً بالدرجة الأولى، إذ قد يجد مرضى السرطان والكلى والقلب والمرضى الجراحيون وآلاف المصابين بالأمراض المزمنة أنفسهم قريباً من دون العلاج الذي يحتاجون إليه للبقاء على قيد الحياة.