القدس-واثق نيوز-اعدت الدائرة الاعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس الذي يرأس امانته العامة اللواء بلال النتشة ، تقريرا حول الاوضاع الاقتصادية في المدينة المقدسة في العيد ، اكدت فيه ان مدينة القدس في العيد المبارك تعيش حالة من الاختناق الاقتصادي والاجتماعي غير المسبوق، في ظل حصار إسرائيلي متعدد الأبعاد يستهدف الحركة التجارية والسياحية والدينية، ويحوّل مواسم الأعياد التي كانت تشكل شريان الحياة الاقتصادي للمدينة إلى مواسم ركود وخسائر وقلق معيشي.
ففي السنوات الماضية، كان العيد في القدس يعني تدفق عشرات آلاف المصلين والمتسوقين من الضفة الغربية والداخل الفلسطيني إلى البلدة القديمة وأسواقها التاريخية، خاصة أسواق خان الزيت والعطارين والواد، حيث تعتمد غالبية المحال التجارية على المواسم الدينية لتحقيق الجزء الأكبر من دخلها السنوي. أما اليوم، فإن الحواجز العسكرية والإغلاقات ومنع الوصول إلى المسجد الأقصى خنقت هذا النشاط، وأدت إلى تراجع حاد في أعداد الزوار والمتسوقين.
وتؤكد تقديرات مقدسية أن الأسواق العتيقة تعيش واحدة من أسوأ فتراتها منذ سنوات طويلة، حيث باتت المحال تفتح أبوابها لساعات محدودة دون حركة بيع حقيقية، بينما يجلس التجار أمام محال شبه فارغة بانتظار زبائن لا يأتون. وقد وصف تجار مقدسيون الحالة بأنها “مزرية” و”غير مسبوقة”، خصوصا مع استمرار الحرب على غزة وما رافقها من تشديد أمني واسع في القدس ومحيط المسجد الأقصى.
وتبرز البلدة القديمة باعتبارها الأكثر تضررا، لأن اقتصادها قائم أساسا على السياحة الدينية والحركة الموسمية في رمضان والأعياد. لكن الحرب والإجراءات العسكرية الاسرائيلية أدتا إلى شبه انهيار في القطاع السياحي، مع تراجع أعداد الزوار الأجانب والحجاج، وإغلاق عدد كبير من الفنادق والمطاعم ومحال التحف والهدايا. وتشير معطيات الغرفة التجارية في القدس إلى أن نسبة واسعة من المحال السياحية مشلولة بالكامل، فيما أغلقت عشرات المحال أبوابها خلال السنوات الأخيرة بفعل الضرائب الإسرائيلية الباهظة وتراجع الحركة التجارية.
ولا يقتصر الحصار على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى الجغرافيا والحركة اليومية. فسلطات الاحتلال تفرض شبكة من الحواجز العسكرية والبوابات الإلكترونية والتفتيش الميداني حول القدس والبلدة القديمة، ما يجعل الوصول إلى الأسواق والأقصى عملية شاقة ومذلة للفلسطينيين. كما تمنع آلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية من دخول المدينة، الأمر الذي حرم التجار المقدسيين من أهم زبائنهم التقليديين خلال مواسم الأعياد.
وتنعكس هذه السياسات مباشرة على الواقع الاجتماعي والمعيشي للمقدسيين. فارتفاع البطالة وتراجع الدخل واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية وعدم انتظام الرواتب كلها عوامل أضعفت القدرة الشرائية للمواطنين، حتى بات كثير من العائلات يقتصر إنفاقها على الأساسيات فقط، مع تراجع واضح في شراء الملابس والهدايا والأضاحي مقارنة بالأعوام السابقة.
كما أن الأجواء النفسية العامة تلقي بثقلها على المدينة. فالحرب المستمرة على غزة، وتصاعد الاقتحامات والاعتقالات في الضفة الغربية، والشعور العام بالحزن والغضب، دفعت كثيرا من المقدسيين إلى تقليص مظاهر الاحتفال بالعيد والاكتفاء بالشعائر الدينية. وقد دعا رجال دين وشخصيات مقدسية إلى أن يكون العيد “عيد صمود ورباط” في المسجد الأقصى، بعيدا عن مظاهر البهجة التقليدية، تضامنا مع غزة والشهداء والأسرى.
ويرى اقتصاديون ومراقبون أن الاحتلال يستخدم الاقتصاد أداة ضغط مركزية في القدس، من خلال الضرائب الباهظة والمخالفات والإغلاقات والتضييق على الحركة التجارية والسياحية، بهدف إضعاف صمود المقدسيين ودفعهم تدريجيا إلى الهجرة خارج المدينة. كما أن السيطرة على الفضاء الاقتصادي للقدس تأتي ضمن مشروع أوسع لتغيير هوية المدينة العربية والإسلامية وإعادة تشكيلها ديمغرافيا وسياسيا.
ورغم هذا الواقع القاسي، لا تزال الأسواق المقدسية تحاول البقاء. فالتجار يواصلون فتح محالهم ولو بخسائر، وتتصاعد الدعوات الشعبية لدعم البلدة القديمة والتسوق منها باعتبار ذلك شكلا من أشكال تعزيز الصمود الوطني وحماية الوجود الفلسطيني في قلب القدس. ويؤكد مقدسيون أن المعركة في المدينة لم تعد فقط على الأرض والمقدسات، بل أيضا على “القدرة على البقاء اقتصاديا” في مواجهة حصار طويل وممنهج.