القدس-واثق نيوز-أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الأخير، حزمة قرارات ومشاريع جديدة تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على مدينة القدس وتعزيز مكانتها في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي .
وتتجاوز هذه القرارات، وفق مراقبين، الطابع الاحتفالي المرتبط بما تسميه إسرائيل “توحيد القدس”، لتندرج ضمن مشروع سياسي متكامل يسعى إلى تثبيت السيادة الإسرائيلية على المدينة المقدسة، وإعادة تشكيل فضائها التاريخي والديني والرمزي بما يخدم الرواية الإسرائيلية ويقصي الهوية الفلسطينية العربية والإسلامية.
وتأتي هذه الخطوات في ظل تصاعد التنافس الحزبي داخل إسرائيل على ملف القدس، واستثماره انتخابياً في أجواء الاستقطاب السياسي الداخلي، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وخلال اجتماع حكومي عُقد في متحف الكنيست بالقدس، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، إن “تعزيز القدس جزء طبيعي من نهضة شعبنا”، حسب تعبيره ،مضيفاً أن حكومته تستثمر في البناء والتطوير والتراث والسياحة والأمن والابتكار في المدينة “بحماس وزخم غير مسبوقين”.
مشاريع تهويدية متعددة الأبعاد ..
وشملت القرارات الحكومية سلسلة مشاريع ذات أبعاد دينية وأثرية وأمنية ورمزية، أبرزها:
ساحة البراق:
إقرار خطتين لتطوير ساحة البراق الملاصقة للجدار الغربي للمسجد الأقصى، إحداهما لتعزيز الجاهزية للطوارئ خلال عام 2026، والأخرى خطة خمسية تمتد بين 2027 و2031، وتهدف إلى زيادة أعداد الزوار، وتوسيع الأنشطة التعليمية والتوراتية، واستكمال مشاريع الحفريات والبنية التحتية في محيط الموقع.
وترى أوساط فلسطينية أن هذه الخطوات تهدف إلى ترسيخ الرواية التوراتية للمكان، وتحويل ساحة البراق إلى مركز قومي إسرائيلي يجري من خلاله إعادة تشكيل الوعي الجمعي وربط الذاكرة الدينية بالمشروع السياسي الإسرائيلي.
مقبرة مأمن الله:
كما أقرت الحكومة مشروعاً لترميم بركة ماميلا الواقعة ضمن أراضي مقبرة مأمن الله الإسلامية التاريخية غربي القدس، وتحويل المنطقة إلى “حديقة حضرية مركزية” بميزانية تصل إلى 80 مليون شيكل.
ويعتبر مراقبون أن المشروع يمثل امتداداً لسياسات طمس المعالم الإسلامية التاريخية في القدس، عبر إعادة توظيف الفضاءات العربية والإسلامية ضمن المشهد السياحي الإسرائيلي، وتجريدها من دلالاتها التاريخية والوطنية.
مطار القدس – عطروت:
ومن بين المشاريع أيضاً إقامة مركز تراثي في منطقة مطار القدس بقلنديا، المعروفة إسرائيلياً باسم “عطروت”، لتخليد تاريخ الاستيطان اليهودي في المنطقة منذ عام 1912، إضافة إلى توثيق تاريخ الطيران والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويحمل المشروع، بحسب مختصين، أبعاداً سياسية واضحة تهدف إلى تثبيت رواية يهودية سابقة لعام 1948 في شمال القدس، بما يعزز الادعاءات الإسرائيلية بشأن “الحق التاريخي” في المنطقة، ويقوض أي مطالب فلسطينية مستقبلية بالسيادة عليها.
البلدة القديمة:
وأقرت الحكومة الاسرائيلية كذلك إنشاء “مركز وطني” قرب البلدة القديمة يضم مساكن وخدمات لذوي الإعاقة، ويُستخدم أيضاً كمركز إجلاء وطني في حالات الطوارئ، في خطوة يرى فيها محللون توظيفاً للبعد الإنساني لتكريس حضور سيادي دائم في قلب القدس المحتلة.
مقر الأونروا في الشيخ جراح:
وفي أخطر القرارات، صادقت الحكومة الاسرائيلية على تخصيص أرض مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في حي الشيخ جراح لإقامة متحف لجيش الاحتلال، ومكتب تجنيد، ومقر لوزير الجيش الإسرائيلي.
ويحمل القرار دلالات سياسية ورمزية عميقة، إذ يمثل – وفق مراقبين – محاولة لإحلال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مكان المؤسسة الدولية التي تجسد الاعتراف الأممي بقضية اللاجئين الفلسطينيين، في إطار مساعٍ لمحو الرمزية السياسية والإنسانية التي تمثلها “أونروا” بوصفها شاهداً على النكبة الفلسطينية.
2027… محطة إسرائيلية لإعادة صياغة الرواية ..
وفي السياق ذاته، قررت الحكومة الإسرائيلية تشكيل فريق وزاري خاص للتحضير لإحياء الذكرى الستين لاحتلال القدس عام 2027، بقيادة مكتب رئيس الوزراء، وبمشاركة وزارات المالية والقدس والتراث وبلدية الاحتلال.
ويرى باحثون أن إسرائيل تسعى إلى تحويل عام 2027 إلى “محطة سردية كبرى”، يتم خلالها عرض مجمل المشاريع التهويدية بوصفها “إنجازات سيادية وتاريخية”، بما يعزز الرواية الإسرائيلية أمام الداخل الإسرائيلي والرأي العام الدولي.
وأكد مختصون أن ما يجري لا يمكن فصله عن النهج الذي تبنته حكومة الاحتلال الحالية منذ تشكيلها نهاية عام 2022، والقائم على تعزيز الاستيطان، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على القدس، ومنع أي حضور سياسي أو مؤسساتي فلسطيني داخل المدينة.
وأشاروا إلى أن مشاريع التطوير والبنية التحتية تُستخدم اليوم كأدوات مباشرة لتكريس السيادة الإسرائيلية، بحيث يتحول كل مشروع عمراني أو أثري أو سياحي إلى فعل سياسي يستهدف إعادة تشكيل هوية القدس وتغيير معالمها التاريخية والديمغرافية.