بقلم : اللواء بلال النتشة
الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس
لم يكن قرار انسحابي من الترشح لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح قراراً شخصياً عابراً، ولا خطوة تكتيكية مرتبطة بحسابات تنظيمية ضيقة، بل جاء انطلاقاً من قناعة وطنية وأخلاقية راسخة بأن القدس اليوم تحتاج إلى وحدة الصف أكثر مما تحتاج إلى التنافس، وإلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات أخرى، في ظل ما تتعرض له عاصمتنا المحتلة من حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والهوية والمقدسات.
لقد تعلمنا في حركة فتح، منذ انطلاقتها الأولى، أن قيمة المناضل لا تُقاس بالموقع الذي يشغله، بل بالموقف الذي يتخذه في اللحظات الوطنية الحساسة. ومن هنا، فإنني أرى أن الانتصار الحقيقي ليس في الوصول إلى موقع قيادي، بل في حماية وحدة الحركة وصون مكانة القدس داخل مشروعنا الوطني، وعدم السماح لأي خلافات أو تنافسات أن تُضعف حضورها أو تشتت البوصلة عن معركة شعبنا الأساسية مع الاحتلال.
إن القدس التي قدّمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، والتي ما زالت تواجه وحدها سياسات التهويد والتطهير والاقتحامات اليومية ومحاولات كسر إرادة أهلها، تستحق منّا جميعاً أن نرتقي إلى مستوى تضحياتها. ودماء الشهداء التي سالت في أزقة البلدة القديمة، وعلى أبواب المسجد الأقصى، وفي مخيمات الوطن، يجب أن تبقى عنواناً لوحدتنا الوطنية، لا ساحةً للتنافس أو الانقسام.
لقد كان بإمكاني الاستمرار في معركة الترشح، لكنني اخترت الانحياز للقدس ولشهدائها، لأن المرحلة تتطلب خطاباً جامعاً ومسؤولية وطنية أكبر من أي طموح شخصي. فالقدس اليوم ليست بنداً تنظيمياً أو ملفاً سياسياً عادياً، بل هي عنوان الصراع وجوهر القضية الفلسطينية، وأي حضور لها داخل الأطر القيادية يجب أن يكون حضوراً موحداً وقادراً على الدفاع عنها وانتزاع حقوق أهلها.
وإنني، إذ أعلن هذا الموقف، فإنني أؤكد أن انسحابي لا يعني انسحاباً من الميدان الوطني أو التنظيمي، بل على العكس، هو تجديد للعهد بأن أبقى في خندق القدس، مدافعاً عن أهلها ومقدساتها وحقوقها، إلى جانب أبناء شعبنا في كل أماكن وجوده. فالمواقع تزول، أما المواقف الوطنية الصادقة فتبقى شاهدة في ذاكرة الشعوب.
كما أتوجه بالتحية إلى جماهير حركة فتح وإلى أبناء شعبنا الفلسطيني الذين عبّروا عن ثقتهم ومحبتهم ودعمهم، مؤكداً أن الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني قادرة على تجاوز كل التحديات عندما تنتصر لوحدتها الداخلية ولإرث شهدائها العظام، وفي مقدمتهم القائد الرمز ياسر عرفات، الذين آمنوا بأن فتح يجب أن تبقى حركة الشعب والقضية والقرار الوطني المستقل.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع التكاتف خلف رؤية وطنية موحدة تحمي القدس وتعزز صمود أهلها وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومخططاته. فلا قيمة لأي استحقاق تنظيمي إذا خسرنا وحدتنا، ولا معنى لأي موقع إذا ابتعدنا عن نبض الشارع الفلسطيني وعن تضحيات الشهداء والأسرى والمرابطين.
وفي النهاية، أقول بكل وضوح:
اخترت القدس قبل الموقع، واخترت دماء الشهداء قبل المناصب، واخترت وحدة فتح وفلسطين قبل أي اعتبار آخر… لأن الأوطان تُبنى بالتضحيات لا بالمكاسب، ولأن القدس ستبقى البوصلة التي لا تنحرف مهما اشتدت العواصف.