بيت لحم-واثق نيوز-اصدر معهد الابحاث التطبيقية-القدس/اريج، اليوم الثلاثاء، تحقيقا شاملا حول التلوث الذي تحدثه المياه العادمة الناتجة عن المستوطمات الاسرائيلية في الضفة الفلسطينية والتي تتسبب بأمراض خطيرة للمواطنين الفلسطينيين وتؤدي الى ما أسماه التحقيق " تفكيك الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية .. حين يصبح التلوث سياسة غير مرئية " .
وجاء في التحقيق : في الضفة الغربية، يتعدى فعل الاستيطان التوسع العمراني على حساب الأرض الفلسطينية، حيث تتجاوز تداعياته الى التأثير على التلوث البيئي الناتج عن تصريف المياه العادمة من المستوطنات الإسرائيلية نحو الأراضي الفلسطينية.
واضاف ، انه في مناطق تمتد من قلقيلية إلى الخليل، لا تبدو المشكلة مجرد خلل بيئي محلي، بل نمط ممتد من التدهور التدريجي الذي يطال التربة والمياه والزراعة والصحة، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفلسطينيين وأرضهم بطريقة بطيئة لكنها عميقة الأثر .
في هذا التحقيق، المعتمد على شهادات ميدانية وتقارير حقوقية وبيئية، يتتبع كيف تحولت المياه العادمة إلى عامل ضغط صامت يعيد إنتاج الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية.
وقد أظهر تقرير صادر عام 2024 عن المجلس النرويجي للاجئين (NRC) آثارا خطيرة على صحة التربة والمجاري المائية في الضفة الفلسطينية نتيجة التصريف المباشر لمياه الصرف الصحي المنزلية والصناعية القادمة من المستوطنات، مشيرا إلى الأثر المحتمل على «الإنتاجية الزراعية، والصحة العامة، والتنوع البيولوجي»، إضافة إلى التهديد الذي يشكله ذلك على قدرة الفلسطينيين على التكيف مع تغير المناخ.
كما أشار المجلس في دراسته حول تلوث المياه العادمة الناتج عن المستوطنات المغروسة بالضفة ، إلى أن فشل الأراضي الزراعية في تحقيق إنتاج زراعي «يترك المناطق الزراعية عرضة لخطر متزايد للمصادرة، من خلال إعلان إسرائيل عن الأراضي غير المستغلة كـ "أراضي دولة"، والتي تستخدم لاحقا في بناء المستوطنات وتوسيعها .
أولا: الأرض التي تغيرت ملامحها بصمت ..
في أطراف أراض زراعية قريبة من منطقة صناعية تابعة لإحدى المستوطنات في محافظة قلقيلية، يتحدث اصحاب الأراضي الزراعية الفلسطينية كيف أضحت ملامح الأرض مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات قليلة. التربة التي كانت خصبة أصبحت مغطاة بطبقات ملحية، والروائح الكريهة لمياه الصرف باتت جزءا من المشهد اليومي، وان إنتاج الزيتون انخفض إلى النصف تقريبا، وإن جودة الزيت تغيرت بالكامل.
ما يحدث هناك لا يبدو استثناء، بل صورة تتكرر في مناطق متعددة، حيث تتدفق المياه العادمة من المستوطنات نحو الأراضي الزراعية الفلسطينية، حاملة معها ملوثات بشرية وحيوانية وصناعية، في مسارات تمتد عبر الوديان والمنحدرات.
ثانيا: من تدفق ملوث إلى نمط متكرر ..
في جنوب الخليل، تتكرر الصورة نفسها تقريبا: مياه داكنة تنحدر عبر المجاري الطبيعية من مناطق المستوطنات نحو الحقول الفلسطينية. فقد أظهرت فحوصات مخبرية تمت بإشراف جهات رسمية ومؤسسات مستقلة، عن وجود مؤشرات قوية على تلوث بكتيري مرتبط بمياه الصرف غير المعالجة، ما يعزز الشهادات المحلية حول طبيعة هذه التدفقات.
وبحسب تقارير حقوقية وبيئية، تعمل المنشآت الصناعية في المستوطنات ضمن إطار تنظيمي أقل صرامة مقارنة بتلك داخل إسرائيل، حيث لا تفرض عليها مستويات الرقابة نفسها المتعلقة بالإفصاح أو المعالجة أو تقليل الأثر البيئي.
هذا التفاوت يخلق فجوة تنظيمية واسعة، تتحول عمليا إلى مساحة لتفريغ النفايات خارج نطاق المحاسبة البيئية الفعلية.
ثالثا: الأرض التي تفقد قدرتها على الإنتاج ..
الأثر الأكثر مباشرة لهذا التلوث يظهر في القطاع الزراعي، الذي يمثل مصدر دخل أساسي لآلاف العائلات.
وتشير المعطيات الميدانية إلى:
-انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 50%
-خسائر قد تصل إلى 70% في بعض المناطق
-تراجع القدرة على تسويق المنتجات الزراعية بسبب مخاوف التلوث
ولم يعد الضرر اقتصاديا فقط، بل أصبح أيضا اجتماعيا ومعيشيا. فالمزارعون لا يخسرون المحاصيل فقط، بل يفقدون ثقة الأسواق بمنتجاتهم، ما يعمق أزمة الدخل والاستقرار. ومع تكرار الخسائر، تبدأ الزراعة نفسها بالتحول من مصدر حياة إلى عبء اقتصادي متزايد.
رابعا: بيئة تتدهور بصمت وصحة تتأثر دون ضجيج ..
لا يتوقف أثر المياه العادمة عند حدود التربة. فالتلوث يمتد إلى المياه الجوفية والينابيع المحلية، ما يرفع من المخاطر الصحية في القرى الريفية.
وفي بعض المناطق، تتزايد حالات الأمراض المرتبطة بالتلوث، مثل:
-أمراض الجهاز الهضمي
-التهابات جلدية
-مشكلات صحية مزمنة مرتبطة بتلوث المياه
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول الروائح المنبعثة من المياه الراكدة إلى جزء من الحياة اليومية، في مشهد يعكس تدهورا متدرجا في جودة الحياة. هذا التدهور الصحي لا يظهر دائما بشكل مباشر أو فوري، لكنه يتراكم ببطء داخل المجتمعات الأكثر تعرضا.
خامسا: التهجير غير المباشر حين تصبح الأرض غير صالحة للحياة ..
في كثير من الحالات، لا يحدث التهجير عبر القوة المباشرة، بل عبر إفراغ الأرض من قدرتها على الاستمرار. ومع تراجع الإنتاج الزراعي وتزايد الخسائر، تبدأ العائلات تدريجيا في التخلي عن أراضيها:
-بسبب انخفاض الجدوى الاقتصادية
-بسبب التلوث المتزايد
-بسبب صعوبة الاستمرار في الزراعة
وبمرور الوقت، تصبح الأراضي المهجورة أكثر عرضة للتغيير في الاستخدام أو التوسع الاستيطاني. وبهذا المعنى، يتحول التلوث إلى أداة غير مباشرة لإعادة تشكيل الوجود السكاني في الريف الفلسطيني.
سادسا: البيئة كأداة ضمن منظومة السيطرة ..
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق الأوسع للبنية الاستيطانية في الضفة الغربية. ففي ظل تفاوت واضح في المعايير البيئية بين داخل إسرائيل والمستوطنات، تتحول الأراضي الفلسطينية إلى مساحة تنقل إليها الأعباء البيئية، بما يشمل النفايات والمياه العادمة.
هذا النمط يعكس إعادة توزيع غير متكافئة للمخاطر البيئية، حيث تتحمل المجتمعات الفلسطينية العبء الأكبر دون قدرة حقيقية على الاعتراض أو التنظيم أو الحماية.
سابعا: سلسلة تأثير ممتدة من الأرض إلى المجتمع ..
التلوث الناتج عن المياه العادمة لا يقف عند حد واحد، بل يخلق سلسلة مترابطة من التأثيرات:
-تدهور التربة وفقدان الخصوبة
-تراجع الإنتاج الزراعي
-خسائر اقتصادية متصاعدة
-تدهور صحي متزايد
-ضغط اجتماعي وهشاشة معيشية
ومع استمرار هذه الحلقة، تتآكل قدرة المجتمعات الريفية على الصمود تدريجيا، دون حدث صادم واحد، بل عبر تراكم يومي بطيء.
ثامنا: بين القانون والواقع – فجوة المساءلة ..
تشير تقارير حقوقية إلى أن هذه الممارسات تتقاطع مع إشكاليات قانونية تتعلق بحقوق الإنسان، بما في ذلك:
-الحق في بيئة سليمة
-الحق في المياه النظيفة
-الحق في سبل العيش
لكن في الواقع، تبقى أدوات المساءلة محدودة، فيما يستمر الضرر البيئي دون معالجة جذرية.
خاتمة: حين يصبح التلوث شكلا من أشكال القوة البطيئة ..
في نهاية هذا المشهد، لا يبدو التلوث مجرد مشكلة بيئية معزولة، بل جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والأرض، حيث ان الحقول التي كانت يوما مصدر حياة للمزارعين، يقف اليوم الكثير منهم أمام واقع جديد، مفاده ان الارض أقل خصوبة، إنتاج متراجع، ومستقبل زراعي أكثر غموضا، وبالتالي، تصبح العبارة المتداولة والمكررة أكثر وضوحا وفهما: ان الاحتلال، إذ يعيد تشكيل جغرافيا وديمغرافيا الأرض الفلسطينية من خلال السيطرة على الأرض بأساليب متنوعة، منها إفساد الأرض، فإن الاحتلال بذلك يلقي على كاهل المواطن والمزارع أعباء اضافية بتحويل الارض من مصدر للحياة الى سبب مباشر لدفعهم الى هجرة الأرض وهجرة المكان.