الكاتب : شادي عياد
بينما كنت أقرأ مقال الأخ بكر أبو بكر بعنوان “لماذا الضفة لا تثور”، واستمع إلى تصريح وزارة الخارجية الأردنية التي أحترم، بدأت بكتابة هذا المقال بحثًا عن إجابات لتساؤلات أكثر عمقًا حول الواقع الفلسطيني الراهن.
بين هذين المصدرين تراكمت في الذهن أسئلة أكبر من مجرد توصيف حالة وأسئلة أثقل من أن تُختصر بإجابات سريعة.
لم يعد السؤال: لماذا الضفة ساكنة؟ بل صار السؤال الأثقل: لماذا يبدو العالم كله عاجزًا عن التحرّك وهو يقرّ صراحة وبلا لبس أن هذه الأرض محتلة؟
حين تُجدّد وزارة الخارجية الأردنية هذا التوصيف القانوني الواضح فهي لا تضيف جديدًا فحسب بل تعيد تثبيت حقيقة بات يعرفها الجميع. لكن المفارقة أن هذا الاعتراف من العالم كله لا يرافقه أي فعل مؤثر ولا أي ضغط حقيقي ولا أي مسار جدّي لتغيير الواقع القائم.
وهنا تتقاطع الأسئلة: إذا كان العالم يعترف بأن فلسطين ارض تحت الاحتلال فلماذا يصمت؟ وإذا كان الحق واضحًا فلماذا تُترك العدالة معلّقة في الهواء؟
وفي الجهة الأخرى يفرض الواقع الفلسطيني أسئلته الأكثر إيلامًا: لماذا تبدو الضفة اليوم في حالة سكون ثقيل؟ هل هو خوف؟ أم مراجعة عميقة بعد زلازل هزّت الوعي الجمعي؟ أم فقدان أمل تراكم عبر سنوات طويلة من الإحباط؟
هل المشهد الكارثي في غزة أعاد تشكيل نظرة الناس إلى كلفة الخيارات الكبرى؟ هل صدمة الدم والدمار والانكشاف العربي والدولي دفعت الفلسطيني إلى إعادة التفكير في معنى الفعل وجدواه وتوقيته؟
أم أن المسألة أعمق من ذلك كله؟
هل ترهّل بعض البُنى القيادية وتآكل الحيوية داخل مؤسسات القرار وغياب النماذج القادرة على الإلهام أسهم في صناعة فجوة نفسية صامتة بين الناس ومراكز التأثير؟
وهل حين يرى المواطن مسؤولين أنهكتهم الامتيازات أكثر مما أنهكهم الواجب وتثاقلوا تحت أوزار المواقع أكثر مما تثاقلوا تحت أعباء القضية يمكن أن يستعيد ثقته بسهولة؟
وهل حين تتسرّب إلى المشهد العام روائح الفساد القذرة وتغيب المحاسبة الجدية من وجهة نظر المواطن ويتحوّل المنصب من تكليف إلى غنيمة لمدى الحياة والى ولد الولد لدى بعض اصحاب المعالي وهم كثيرون هل يبقى لدى المجتمع ما يكفي من طاقة الأمل؟
ثم ماذا عن الانقسام؟ وهل يمكن لوعي مشطور وبوصلة مرتبكة وأولويات متنازعة أن تصنع حالة وطنية جامعة؟
وفي المقابل هل أصيب المجتمع الدولي بحالة إنهاك أخلاقي؟ أم أنه اختار – ببرود – إدارة الصراع بدل حله وإدامة الأزمة بدل إنهائها لأنها أقل كلفة وأكثر راحة؟
أسئلة موجعة لكنها ضرورية. لا بدافع التحريضات سمح الله ولا بقصد الإدانة بل بحثًا عن المعنى في زمن الالتباس.
فالشعوب لا تسكن عبثًا ولا تصمت بلا سبب ولا تتراجع دون حساب. والتاريخ يخبرنا أن أكثر المراحل هدوءًا قد تكون أكثرها امتلاءً بالتحولات.
ربما نحن أمام لحظة مراجعة كبرى وربما أمام إعادة تشكّل للوعي وربما أمام بحث طويل عن صيغة جديدة، أكثر عقلانية وأكثر وحدة وأكثر قدرة على استعادة الثقة.
وفي كل الأحوال، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن تحويل هذا السكون من حالة إنهاك إلى مساحة تفكير؟ ومن زمن انتظار إلى لحظة وعي؟ ومن تراكم أسئلة إلى بداية طريق؟
سؤال لا يُطرح على الشارع وحده بل قبل ذلك على النخب وعلى صناع القرار وعلى كل من يملك موقع تأثير.
لأن الشعوب حين تفقد الثقة لا تغيب… بل تنتظر. وحين تنتظر طويلًا لا تنسى… بل تعيد الحساب.