القدس-بيت لحم-اصدر معهد الابحاث التطبيقة/ القدس- أريج ، اليوم الخميس، تقدير موقف حول قرار الضم الاخير للضفة الغربية الصادر عن المستويين السياسي والامني الاسرائيليين .
وجاء في التقدير : لم يعد مشروع "تسوية وتسجيل الأراضي" في الضفة الغربية مجرد إجراء تقني لتنظيم الملكيات، بل تحول إلى أداة سياسية وقانونية لإعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي في الأرض الفلسطينية المحتلة. فالقرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية في أيار 2025، والذي بدأ تنفيذه فعليا في 15 شباط 2026، يمثل تحولا نوعيا من إدارة الاحتلال إلى ترسيخ سيادة دائمة، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي.
واضاف : إن ما يطرح باعتباره عملية "تنظيم سجل الأراضي" هو في جوهره إعادة هندسة قانونية للملكية، تهدف إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وخلق واقع لا رجعة فيه، يفضي إلى الضم الفعلي والنهائي لمساحات واسعة من الضفة الغربية، وخاصة المنطقة "ج".
الخلفية القانونية – من التعليق إلى إعادة التفعيل ..
في أعقاب احتلال عام 1967، أصدر القائد العسكري الإسرائيلي الأمر العسكري رقم 291 عام 1968، الذي علق عملية تسوية الأراضي. وقد جاء هذا التعليق في سياق منع تثبيت حقوق الملكية الفلسطينية، وفتح المجال أمام إعادة تعريف الأراضي وفق التصنيفات الإسرائيلية (أراضي دولة، مناطق عسكرية، محميات طبيعية، وغيرها).
تسوية الأراضي، في جوهرها، هي عملية قانونية تهدف إلى تثبيت الملكية النهائية من خلال تسجيل رسمي ملزم. لكن في سياق الاحتلال، تتحول هذه العملية إلى أداة لإعادة توزيع الملكية بما يخدم السلطة القائمة بالاحتلال، خصوصا عندما تدار خارج إطار السيادة الوطنية للشعب الواقع تحت الاحتلال.
كما ان إعادة تفعيل هذه العملية بعد أكثر من خمسة عقود، ولكن ضمن منظومة قانونية إسرائيلية مدنية بدلا من الإدارة العسكرية، يمثل انتقالا من "إدارة مؤقتة" إلى "نظام سيادي دائم".
نقل الصلاحيات – من الحكم العسكري إلى الإدارة المدنية ..
يعد نقل صلاحيات إدارة الأراضي من القائد العسكري إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية، مثل وزارة العدل، ودائرة تسجيل الأراضي، وهيئة تسوية الحقوق، تحولا جوهريا في طبيعة السيطرة الإسرائيلية.
فهذا النقل لا يقتصر على إعادة توزيع الصلاحيات، بل يعكس إعادة تعريف قانونية للأرض نفسها، باعتبارها جزءا من النظام القانوني الإسرائيلي، وليس أرضا محتلة تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني.
كما ترافق هذا التحول مع تخصيص ميزانيات كبيرة (نحو 244 مليون شيكل)، تستهدف تسجيل ما يقارب 58% من المنطقة "ج"، أي ما يعادل نحو 35% من مساحة الضفة الغربية، ما يشير إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد إجراء إداري مرحلي.
الأهداف السياسية – توسيع الاستيطان ومنع السيادة الفلسطينية ..
التصريحات الرسمية الإسرائيلية، وعلى رأسها تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، تكشف بوضوح البعد السياسي للمشروع. إذ يهدف تسجيل الأراضي إلى:
- توفير احتياطي استراتيجي لتوسيع المستوطنات.
- منع أي امتداد جغرافي أو إداري للسلطة الفلسطينية في المنطقة "ج".
- تثبيت السيطرة الإسرائيلية كـ “سيادة دائمة".
- خلق بيئة قانونية تمكن من استيعاب مئات آلاف المستوطنين الجدد.
وبذلك، يصبح تسجيل الأراضي جزءا من منظومة متكاملة تشمل التخطيط الهيكلي، تطوير البنية التحتية، شرعنة البؤر الاستيطانية، وربط المستوطنات بشبكات طرق إسرائيلية.
الأثر على الحقوق الفردية – الإقصاء القانوني المنهجي ..
على المستوى الفردي، تشكل عملية تسجيل الأراضي تهديدا مباشرا لحقوق الفلسطينيين في الأرض والسكن، عبر آليات قانونية معقدة تستند إلى متطلبات إثبات ملكية يصعب تحقيقها في السياق الفلسطيني.
ففي كثير من الحالات:
- تعود وثائق الملكية إلى العهد العثماني أو الأردني، وهي محفوظة في أرشيفات خارج فلسطين (تركيا أو الأردن).
- الأراضي مملوكة بشكل عرفي أو غير مسجل رسميا.
- الملكية موزعة بين عدد كبير من الورثة، ما يصعب إثبات الحق القانوني.
- العديد من الوثائق فقدت نتيجة النزوح أو الظروف السياسية.
وبالتالي، فإن هذه العملية تؤدي إلى "مصادرة قانونية" للأراضي، ليس عبر قرارات مباشرة، بل عبر إقصاء الفلسطينيين من إثبات ملكيتهم ضمن نظام قانوني مفروض عليهم.
تقويض المؤسسات الفلسطينية والسيادة الوطنية ..
لا تقتصر تداعيات القرار على الأفراد، بل تمتد إلى تقويض البنية المؤسسية الفلسطينية. فقد نص القرار الإسرائيلي صراحة على:
- إلغاء الاعتراف بأي تسجيل أو وثائق صادرة عن السلطة الفلسطينية في المنطقة "ج".
- منع موظفي السلطة من العمل في مجال تسجيل الأراضي.
- تعطيل أو منع الدعم الدولي لمشاريع تسجيل الأراضي الفلسطينية.
هذه الإجراءات تهدف إلى إفراغ المؤسسات الفلسطينية من دورها، وحرمانها من أدوات بناء السيادة، خاصة في مجال إدارة الأراضي، الذي يشكل أحد أعمدة الدولة.
الإطار القانوني الدولي – خرق لقواعد الاحتلال ..
يشكل القرار الإسرائيلي انتهاكا واضحا لقواعد القانون الدولي، خاصة:
- لوائح لاهاي لعام 1907 (المادتان 43 و55)، التي تنص على أن سلطة الاحتلال هي مجرد "مدير مؤقت" للأرض، وليس لها حق التصرف بها كمالك.
- اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 47)، التي تحظر أي إجراءات تمس حقوق السكان تحت الاحتلال.
- مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وهو من القواعد الراسخة في القانون الدولي.
إن تحويل نظام إدارة الأراضي إلى نظام تسجيل دائم يخدم المستوطنين، يتعارض مع واجب الاحتلال بإدارة الموارد لصالح السكان المحليين.
رأي محكمة العدل الدولية 2024 – توصيف قانوني للضم ..
في رأيها الاستشاري لعام 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن السياسات الإسرائيلية، بما فيها التخطيط والاستيطان، ترقى إلى مستوى الضم.
وأكدت المحكمة أن:
- إدارة الأراضي لصالح المستوطنين تشكل انتهاكا للقانون الدولي.
- سياسات التخطيط والهدم لا تستند إلى أهداف مشروعة.
- أي محاولة لفرض سيطرة دائمة على الأرض تمثل ضما غير قانوني.
وبذلك، فإن مشروع تسجيل الأراضي يندرج ضمن هذه السياسات، ويعزز توصيفه كأداة للضم.
مغالطات الاستناد إلى اتفاق أوسلو ..
تستند إسرائيل في تبريرها إلى اتفاق أوسلو، مدعية أن المنطقة "ج" تخضع لسيطرتها. إلا أن هذا الطرح يتضمن عدة مغالطات:
- الاتفاق نص على نقل صلاحيات التخطيط إلى الفلسطينيين خلال 18 شهرا (أي بحلول 1997)، وهو ما لم يتم.
- لا يجوز لأي اتفاق أن ينتهك قواعد القانون الدولي المنصوصة، ومنها حظر الضم.
- لا يمكن لاتفاق ثنائي أن يلغي حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وعليه، فإن التفسير الإسرائيلي للاتفاق يفتقر إلى الأساس القانوني.
من الاحتلال إلى الضم – التحول البنيوي ..
يمثل مشروع تسجيل الأراضي تحولا بنيويا في طبيعة السيطرة الإسرائيلية، من احتلال مؤقت إلى نظام سيادي دائم. فهو:
- ينقل الإدارة من الطابع العسكري إلى المدني.
- يخلق سجلا قانونيا دائما للملكية.
- يدمج الأرض في النظام القانوني الإسرائيلي.
- يعيد تعريف العلاقة بين الأرض والسكان.
هذا التحول لا يعكس إدارة الاحتلال، بل إعادة تشكيل السيادة نفسها.
الاستنتاجات والتوصيات ..
إن مشروع تسجيل الأراضي في الضفة الغربية لا يمكن فهمه كإجراء إداري محايد، بل هو جزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى:
- ترسيخ الضم الفعلي للأرض الفلسطينية.
- تقويض حقوق الملكية الفلسطينية.
- إضعاف المؤسسات الوطنية.
- تثبيت واقع استيطاني دائم.
وعليه، فإن:
- على الدول والمنظمات الدولية عدم الاعتراف بأي نتائج تترتب على هذا المشروع.
- يجب دعم المؤسسات الفلسطينية في مجال تسجيل الأراضي.
- ضرورة بناء إطار تنسيق دولي لمواجهة التداعيات القانونية والسياسية.
- تعزيز المساءلة الدولية استنادا إلى رأي محكمة العدل الدولية.
للإجمال ..
إن ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد إعادة تنظيم للسجلات العقارية، بل هو إعادة صياغة للخريطة السياسية والقانونية للأرض. وبينما يقدم المشروع بصفته "إصلاحا إداريا"، فإنه في الواقع يمثل خطوة متقدمة نحو الضم، وإعادة تعريف السيادة بالقوة.
وبذلك، فإن معركة الأرض لم تعد فقط على الحدود أو المستوطنات، بل أصبحت أيضا معركة على السجل، وعلى تعريف الملكية، وعلى من يملك الحق في كتابة التاريخ القانوني للأرض.