لندن- واثق نيوز- جرفت قوات الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من مقبرة في حي التفاح بمدينة غزة، تضمّ رفات جنود بريطانيين وأستراليين قتلوا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، حسبما أظهرت صور الأقمار الصناعية وشهادات نقلتها صحيفة ذا غارديان البريطانية. وحسب تقرير للصحيفة، اليوم الخميس، فقط أظهرت صور الأقمار الصناعية لمقبرة غزة الحربية في حي التفاح أعمال حفر واسعة النطاق في الركن الجنوبي من المقبرة، مشيرة إلى أنه "يمكن رؤية فوهات القنابل حول المقبرة، ويبدو أن الدمار في هذه المنطقة كان أكثر منهجية".
وأُزيلت صفوف من شواهد القبور، وحُرثت التربة السطحية، ويمكن رؤية سد ترابي كبير يمتد عبر منتصف المنطقة المتضررة، حجمه يوحي باستخدام معدات ثقيلة، حسب ذا غارديان.
وتشير الصحيفة إلى أنه لم تكن هناك أي آثار للأعمال الترابية في مارس/ آذار من العام الماضي، لكنها تظهر بوضوح في صورة التقطها قمر صناعي في الثامن من أغسطس/ آب الماضي. وتتضح المنطقة المتضررة بشكل أكبر في صورة للمقبرة التُقطت في 13 ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وأشار التقرير إلى أن النباتات نمت من جديد بين صفوف شواهد القبور لتغطي بقية المقبرة، إلا أن الركن الجنوبي الغربي لا يزال أجرد، حيث يُلقي السد الترابي بظلاله الكثيفة على التربة الرملية.
وقال الحارس السابق للمقبرة عصام جرادة، والذي يقع منزله بالقرب من المقبرة، لـ"ذا غارديان"، إنه "تم تنفيذ عمليتي تجريف في المقبرة. جرت عملية التجريف الأولى خارج أسوار المقبرة، وامتدت لمسافة 12 متراً تقريباً حول جميع جوانب المقبرة. وكانت هذه المناطق مزروعة بالكامل بأشجار الزيتون".
وأوضح جرادة أنه في وقت لاحق، "جُرفت مساحة تقل قليلاً عن ألف متر مربع داخل أسوار المقبرة، وتحديداً في ركنها الذي يضم قبور الجنود الأستراليين"، مشيراً إلى أن أعمال التجريف غطت المنطقة الممتدة من المقعد الذي اعتاد الزوار الأجانب الجلوس عليه وصولاً إلى النصب التذكاري. وتابع في هذا السياق: "كما أنشأت الجرافات أكواماً رملية استُخدمت بصفة حواجز ترابية". ومضى قائلاً: "لقد شهدتُ عملية الهدم هذه بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة، في أواخر إبريل (نيسان) أو أوائل مايو (أيار) تقريبا".
وقد اعتنى جرادة بالمقابر لمدة 45 عامًا، حسب ما يقول للصحيفة، 35 عامًا منها مساعدًا لوالده إبراهيم، ثم عشرة أعوام تولى إدارتها بنفسه. وقد سلّم الوالد المسؤولية لابنه قبل حرب الإبادة على غزة.
وتابع جرادة: "كانت المقبرة تُعتبر من أجمل المواقع الأثرية في غزة، إذ كانت تضم أشجارًا متنوعة وجميلة، وكانت بمثابة مساحة عامة نابضة بالحياة لسكان قطاع غزة"، وختم القول "أشعر بحزنٍ كحزن طفلٍ فقد أمه. يغمرني الألم والمرارة فوق المقبرة، تماماً كما يغمرني ألم فقدان بيتي بالكامل".
وبعد عرض صور الأقمار الصناعية للمقبرة، زعمت قوات الاحتلال أنها اضطرت إلى اتخاذ تدابير دفاعية في خضم المعركة. ونقلت الصحيفة عن متحدث باسم الجيش زعمه أنه "في ذلك الوقت كانت المنطقة المعنية منطقة قتال نشطة. وخلال عمليات الجيش الإسرائيلي في المنطقة، حاول إرهابيون مهاجمة قوات الجيش الإسرائيلي واحتموا في مبانٍ قريبة من المقبرة. واستجابةً لذلك، ولضمان سلامة قوات الجيش الإسرائيلي العاملة على الأرض، اتُخذت تدابير عملياتية في المنطقة لتحييد التهديدات التي تم رصدها".
وواصل المتحدث ادعاءاته قائلا: "نؤكد أنه تم تحديد بنية تحتية إرهابية تحت الأرض داخل المقبرة وفي المنطقة المحيطة بها، والتي حددها الجيش الإسرائيلي وفككها. وتتم الموافقة على أنشطة الجيش الإسرائيلي في المناطق الحساسة من قبل كبار الضباط في الجيش، ويتم التعامل معها بالحساسية المطلوبة".
في المقابل، قال متحدث باسم الفيلق الملكي البريطاني لـ"ذا غارديان: "نشعر بالحزن لسماعنا عن تضرر قبور الجنود البريطانيين والحلفاء الذين خدموا بشجاعة في الحربين العالميتين الأولى والثانية. إن قبور الحرب تُخلّد ذكرى كل فرد من أفراد القوات المسلحة الذين قدموا التضحية القصوى، وتستحق أن تُعامل بأقصى درجات الاحترام".
وكان آخر تعليق للجنة مقابر الحرب التابعة للكومنولث، المسؤولة عن صيانة مقبرة غزة والعديد من المقابر المماثلة حول العالم، بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول. وقالت اللجنة حينها: "نتيجةً للصراع، تعرضت المقبرة لأضرار جسيمة في شواهد القبور والنصب التذكارية والجدران المحيطة ومرافق الموظفين ومناطق التخزين". وأفادت تقارير بوقوع أضرار في نصب تذكاري للفرقة 54 (شرق أنجليا) التابعة للجيش البريطاني، بالإضافة إلى النصب التذكاري الهندي التابع للأمم المتحدة، والأقسام الهندوسية، والإسلامية، والتركية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن حجم الدمار أكبر من ذلك بكثير. ولم يبقَ أي أثر مرئي لقطعة أرض خارج المقبرة الرئيسية مخصصة لقوات حفظ السلام الكندية التابعة للأمم المتحدة. وتقول الصحيفة إنه داخل المقبرة الرئيسية، سُوّي بالأرض قسمان كاملان من القبور، يضمان رفات أكثر من 100 جندي من قوات الحلفاء الذين قُتلوا في الحرب العالمية الثانية، غالبيتهم من الأستراليين، إلى جانب عدد قليل من العسكريين البريطانيين والبولنديين. كان معظمهم متمركزين في فلسطين آنذاك، بينما خدم بعضهم في المستشفيات الميدانية في غزة.
وتضيف: "كما سُوّيت بالأرض أربعة أقسام تضم رفات قتلى الحرب العالمية الأولى. تُظهر سجلات لجنة مقابر الحرب التابعة للكومنولث أن القبور المتضررة جميعها تقريبًا بريطانية لجنود من أفواج من مختلف أنحاء المملكة المتحدة، قُتلوا عندما استعادت الفرق البريطانية السيطرة على فلسطين من القوات العثمانية التركية، مُتكبدةً خسائر فادحة، لا سيما في غزة".
وقال البروفيسور بيتر ستانلي، المؤرخ العسكري في جامعة نيو ساوث ويلز كانبرا، لصحيفة "ذا غارديان": "الأولوية القصوى هي وقف موت الناس في غزة وتقديم العون لمن يعانون من الجوع والفقر منذ سنوات، ويجب أن يكون هذا الأمر متناسبًا مع حجم المعاناة. أما بالنسبة للأستراليين، فإن من أخطر تبعات هذا الصراع تدنيس قبور الجنود الأستراليين. قد لا يبدو هذا الأمر جللًا على الصعيد العالمي، ولكنه بالتأكيد أمرٌ يجب أن يُقلق الأستراليين".