تل ابيب-واثق نيوز-ترجمة: عصمت منصور-كتب رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ايهود أولمرت مقالا في صحيفة "هارتس" العبرية ، اكد فيه ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وقوات الجيش والشرطة وجهاز "الشاباك" متورطون بشكل رسمي في عملية التطهير العرقي ضد ابناء شعبنا الفلسطيني في الاراضي المحتلة ويسهلون هذه العملية لميلشيات المستوطنين التي تنتشر في الضفة الفلسطينية وتمارس العنف والعربدة وترغم سكان التجمعات البدوية على وجه الخصوص على الرحيل والاستيلاء على اماكنهم وسرقة مواشيهم والى غير ذلك من ممارسات ترقى الى مستوى جريمة الحرب .
وفيما يلي نص المقال :
في أراضي الضفة الغربية يجري تنفيذ محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي. مجموعات من المستوطنين المسلحين والعنيفين تطارد الفلسطينيين المقيمين هناك، تعتدي عليهم، تصيبهم، بل وتقتلهم أيضًا. تشمل أعمال الشغب إحراق بساتين الزيتون، والمنازل، والسيارات، واقتحام البيوت والاعتداء الجسدي على السكان. كما يجري الاعتداء على قطعان الأغنام، وتشتيتها ومحاولة سرقتها. مثيرو الشغب، الإرهابيون اليهود، يهاجمون الفلسطينيين بدافع الكراهية وبعنف له هدف واحد: دفعهم إلى الفرار من أماكن سكنهم، على أمل أن تُمهَّد الأرض بعدها للاستيطان اليهودي — في الطريق إلى تحقيق حلم ضم جميع الأراضي.
كل ذلك يحدث أمام أعين مغمضة من الشرطة والجنود . المدافعون عن مثيري الشغب يحاولون الادعاء بأن الحديث يدور عن أقلية هامشية، بضع عشرات من المراهقين الجانحين، لا يمثلون الجمهور المقيم في الأراضي، والذي يُفترض أنه يعارض أعمال العنف. لكن الواقع هو أن مئات الشبان العنيفين متورطون في هذه الاعتداءات، ولم يكن بإمكانهم تنفيذ أعمال الشغب لولا تسليحهم بمبادرة وإلهام من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. بعبارة أخرى، تعمل في الضفة ميليشيات تحظى بدعم، وبمساندة، وبمساعدة مباشرة وغير مباشرة من جهات الحكم في دولة إسرائيل.
شرطة إسرائيل هي أيضًا مصدر إلهام للإرهابيين اليهود. يوميًا تُرتكب أعمال بلطجة ضد الفلسطينيين، وللمفارقة لا تنجح الشرطة في تحديد هوية مثيري الشغب، أو منع أفعالهم قبل وقوعها، أو اعتقال أيٍّ منهم بعد أحداث الشغب. في كثير من الحالات يكون ضحايا الجرائم هم هدف إنفاذ القانون من قبل الشرطة: يُعتقل الفلسطينيون، لا الإرهابيون اليهود. لو كان الأمر حادثة عابرة أو فشلًا عرضيًا للشرطة، لكان بالإمكان محاولة تبرير تقصيرها. لكن في ظل الواقع القائم لا مفر من الاعتراف بأن الأمر سياسة مقصودة. شرطة إسرائيل تساعد، كسياسة، وبشكل نشط، على ارتكاب هذه الجرائم.
كما يثير الشك أداء جهاز الأمن العام (الشاباك) إزاء تكرار عمليات الإرهاب التي ينفذها يهود. يبدو أن الشاباك لا يستخدم ضد الإرهابيين اليهود الوسائل التي يطبقها بفاعلية ضد الفلسطينيين . فهو لا يعمل بحزم لإحباط الإرهاب اليهودي مسبقًا، ولا لتحديد هوية مثيري الشغب، ولا لتعقب قادة هذه العصابات واعتقالهم.
وزارة الدفاع " وزارة الجيش" أصبحت شريكة في هذه السياسة أيضًا. لا يُنسى تصريح الوزير يسرائيل كاتس : لا مزيد من أوامر الاعتقال الإداري ضد اليهود. كان ذلك إشارة واضحة لمثيري الشغب بأن العائق الوحيد الذي ربما كان يمكن أن يردعهم قد أُزيل من الطريق. قوات الجيش في الأراضي لا تكتفي بعدم اتخاذ خطوات لمنع أعمال الشغب، بل إنها في كثير من الحالات تتعاون مع مثيري الشغب، أو تكون قريبة من الأحداث، ترى ولا تفعل شيئًا.
قادة الجمهور الديني، ورؤساء حركة المستوطنين، ورؤساء المجالس الإقليمية في الضفة، يوفرون مظلة الحماية والغطاء، والدعم السياسي، والمساندة الجماهيرية، والدفاع عن مثيري الشغب في مواجهة من يُفترض بهم اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم وفقًا للقانون، والأخلاق، والتراث والتقاليد اليهودية. الأبرز بين رؤساء المجالس الإقليمية هو رئيس مجلس بنيامين الإقليمي، إسرائيل غانتس. يُذكر خطابه التأبيني في جنازة تسئلا غاز من مستوطنة بروخين، التي كانت مع زوجها في طريقها للولادة في المستشفى وقُتلت بوحشية على يد إرهابيين فلسطينيين (وبعد أيام توفي الجنين أيضًا). قال غانتس: «الطريقة الوحيدة التي ستمنع هجمات خطيرة كهذه هي تحويل مراكز المدن والقرى التي يخرج منها القتلة إلى أكوام من الخراب». الجمهور الكبير الذي حضر بقي صامتًا، ولم يُسمع صوت احتجاج واحدا على هذا التحريض من أيٍّ من قادتهم البارزين.
هؤلاء القادة يمثلون رأي جزء كبير من الجمهور المقيم في الضفة. لا توجد أي طريقة لتبرير هذا الجمهور أو الدفاع عنه. الادعاء الذي يطرحه كثيرون ممن يمثلون الإرهابيين اليهود في البرامج الحوارية الإعلامية هو أن «شبيبة التلال» مجموعة صغيرة جدًا، أقلية من مثيري الشغب، يعاني معظمهم من أعراض سوء التكيف الاجتماعي. هذا ادعاء كاذب. الجمهور اليهودي المقيم في الأراضي يتستر على مثيري الشغب، يحميهم، ويمنحهم كل الدعم العملي اللازم للاختباء والنجاة ممن يفترض بهم الوصول إليهم لوقفهم. لا يوجد تفسير آخر للصمت المطلق لسكان الأراضي إزاء ما يجري أمام أعينهم. يحدث ذلك لأن مثيري الشغب يعملون في بيئة داعمة ومشجعة. الجمهور اليهودي الكبير، مئات الآلاف، المقيم في الأراضي يمتنع عن الرد لأن هؤلاء الشبان، على ما يبدو، يمثلون إرادته، وتطلعاته، وأمله في أن يتمكن يومًا ما من التخلص من الجيران الفلسطينيين وأن يكونوا المالِكين الوحيدين للإقليم الذي، بحسب إيمانهم، وعد به إله إسرائيل الشعبَ اليهودي وحده.
في دولة سليمة (وإسرائيل لم تعد دولة سليمة منذ عدة سنوات) كان يُتوقع أن تقف الشرطة، والنيابة العامة، والمحاكم، والحكومة، ورئيس الوزراء، ورئيس الدولة بحزم ضد هؤلاء المخرّبين. لكن يبدو أنه في دولة اختلت فيها كل قواعد السلوك العام، ودُهست أبسط مبادئ النزاهة الإنسانية والتسامح، فإن احتمال أن يقف أحد من هذه الجهات بقوة ويعمل على وقف الجرائم ضئيل جدًا.
في غياب رد فعل طبيعي من داخل الدولة، لا مفر من الأمل بأن يتحرك المجتمع الدولي، ويتخذ إجراءات سياسية تُجبر الحكومة على تشغيل الآليات التي يُفترض أن تعمل في دولة ديمقراطية، وذلك لوقف الجرائم ضد الإنسانية التي تُرتكب برعايتها، وبالتغطية منها، وبدعمها، وإلى حد كبير أيضًا بمساندتها.
قد لا يكون هناك بديل عن التطلع إلى أن تصبح المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي العنوان الحتمي للتحقيق، وكشف المسؤولين، واتخاذ الإجراءات التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى اعتقالهم ومحاكمتهم.
أوامر الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت، بزعم مسؤوليتهما عن جرائم ضد الإنسانية في الحرب على قطاع غزة، لم تكن قائمة على أسس راسخة. من المعقول جدًا القول إن جرائم حرب ارتُكبت أيضًا في قطاع غزة. اليوم تُعرف أحداث استثنائية وقعت هناك تنطبق عليها تعريفات جرائم الحرب، وسيتعين على الدولة مواجهة ما سيُحقق فيه ويُكشف عنه. لكنني لا أستطيع دعم الادعاء المتكرر بأن هناك سياسة مقصودة أدت إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم. لذلك من المرجح جدًا أن إصدار أوامر الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت لم يستند إلى أدلة متينة تشير إلى مسؤولية شخصية ومباشرة لهما.
الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بما يجري في الأراضي المحتلة. هنا كل شيء مكشوف ويجري أمام أعين جميع الجهات المسؤولة عن إنفاذ القانون. الصمت، والامتناع عن رد حاسم وملائم، والتغطية والحماية — كل ذلك تتحمل الحكومة مسؤوليته، ويتحملها أيضًا من يقفون على رأسها ويقودونها.
عندما تأتي في نهاية المطاف ردود الفعل الدولية الحتمية على هذه الجرائم، سيدّعي كثيرون أنها تعبير إضافي عن معاداة السامية وكراهية إسرائيل. نعم، هناك معاداة للسامية في العالم، وتجلياتها الكثيرة في أوروبا وأميركا وكذلك في أستراليا تستوجب ردًا حازمًا وشاملًا، وللأسف لا يُترجم ذلك دائمًا إلى أفعال وقرارات مناسبة من قبل قادة العالم. لكن من سيتخذ خطوات ضد الإرهابيين اليهود وداعميهم يستحق التقدير والشكر، وكلما بادر في وقت أبكر كان ذلك أفضل.