القدس- واثق نيوز- أحمد جلاجل- تشهد مدينة القدس المحتلة تصعيدًا عسكريًا متواصلًا من قبل قوات الاحتلال، يتمثل في تكثيف الاقتحامات، وتعزيز الانتشار العسكري، وتنفيذ حملات اعتقال واسعة، لا سيما في البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى المبارك، وبلدات في شمال غرب وجنوب شرق القدس .. هذا التصعيد لا يمكن فصله عن سياقه السياسي، إذ يتجاوز كونه إجراءات أمنية ليعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
ويرى المحلل السياسي محمد زحايكه أن الاحتلال يسعى من خلال هذه العمليات إلى ترسيخ سيادته المزعومة على مدينة القدس، مستغلًا حالة الانشغال الإقليمي والدولي، إضافة إلى الأزمات السياسية الداخلية التي تعيشها الحكومة الإسرائيلية، حيث تُستخدم القدس كورقة ضغط وكأداة لتوحيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر تصعيد المواجهة مع الفلسطينيين.
ويشكّل المسجد الأقصى المبارك محورًا أساسيًا في هذا التصعيد، في ظل محاولات متواصلة لفرض قيود على دخول المصلين الفلسطينيين، وتسهيل اقتحامات المستوطنين بحماية عسكرية مشددة، في إطار مساعٍ واضحة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد، تمهيدًا لتقسيمه زمانيًا ومكانيًا.
على الصعيد الميداني، ينعكس هذا التصعيد بشكل مباشر على حياة المقدسيين، من خلال الإغلاقات والحواجز، والتضييق على الحركة، وعمليات الاعتقال والاستدعاء، ما يؤدي إلى حالة من الاستنزاف اليومي، في محاولة لدفع السكان نحو الهجرة القسرية غير المباشرة، عبر خلق بيئة معيشية طاردة.
من جهته اوضح الكاتب والمحلل السياسي إسماعيل المسلماني ان هذه العمليات تحمل رسائل سياسية متعددة، أبرزها التأكيد على قدرة الاحتلال على فرض سيطرته الأمنية بالقوة، في ظل غياب محاسبة دولية حقيقية، إضافة إلى توجيه رسائل ردع للفلسطينيين بأن أي شكل من أشكال الرفض أو الصمود سيُواجَه بعقاب جماعي.
وأكد المسلماني أن مواجهة هذا التصعيد تتطلب تعزيز صمود المقدسيين، وتكثيف الجهد السياسي والإعلامي الفلسطيني لإعادة القدس إلى صدارة الاهتمام الدولي، وفضح السياسات الإسرائيلية باعتبارها انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
يذكر أن ما يجري في القدس هو صراع مفتوح على الهوية والسيادة، تُستخدم فيه القوة العسكرية كأداة سياسية لفرض أمر واقع جديد، في وقت يواصل فيه المقدسيون تمسكهم بأرضهم وحقوقهم، رغم شدة الاستهداف وضيق الخيارات.
من جهته قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي راسم عبيدات ان العدوان المستمر والمتواصل على شمال المدينة ،مطار قلنديا وقلنديا وكفر عقب وحزما، تحت ما يسمى ب"درع القدس" يمكن قراءته في الآتية :-
أولاً: أنه تمهيد لبناء مستوطنة جديدة في مكان مطار القدس الدولي في قلنديا والذي يعود افتتاحه للعهد الأردني في القدس، وما تزال أراضيه-وتبلغ مساحتها 1,200 دونم - مسجلة باسم خزينة الدولة الأردنية، وها هو الاحتلال اليوم رغم اتفاقية وادي عربة يعتبر نفسه وريث تلك الملكية الضخمة ويتصرف بها كيف شاء، ويقرر بناء 9,400 وحدة استيطانية فيها تستكمل مع منطقة قلنديا الصناعية "عطروت" الواقعة إلى جنوبه، ومع حاجز قلنديا الواقع إلى شماله، وفصل كفر عقب ومخيم قلنديا عن القدس بطبقاتٍ صناعية وسكانية وأمنية، وليس بالجدار فقط.
ثانياً: لقد ترك الاحتلال كفر عقب لفترة طويلة لتكون متنفس البناء الوحيد للمقدسيين، إذ غض الطرف عن البناء فيها متقصداً تحويلها إلى نقطة جذب للمقدسيين قبل إكمال فصلها عن بقية القدس، بحيث يفصل مع كفر عقب أكبر عدد ممكن من أهل المدينة، ويحول هذه البلدة إلى منطقة شديدة الاكتظاظ منعدمة التخطيط محدودة البنى التحتية ما يجعلها في دوامة احتكاكٍ ونكد دائم بين أهلها، وهو ما دفع المقدسيين اليوم لتسميتها بـ"كفر عجب" أو حتى "كفر غضب"، ويأتي الاحتلال ليكمل ذلك بحملات أمنية انتقائية، وعمليات هدمٍ واسعة في بعض النقاط التي يرى الحاجة لـ"إعادة هندستها".
ثالثاً: تكريس الفصل النهائي لحزما عن القدس، ودفعها نحو التحول إلى ريف معزول لا يتصل بمركز مدني، وإذا ما وضعت إلى جانب ذلك الحملات المتتالية على برية القدس في الخان الأحمر وما حوله، وعلى شمالها الشرقي في مخماس والتجمعات البدوية من حولها، وعلى شرق رام الله كذلك، فإن تصور الاحتلال ربما لا يقتصر على "العزل" فقط، بل لعله يتجاوز ذلك عملياً إلى رؤية إفناء شامل لكل الامتداد الشرقي للقدس ورام الله، وتكريس تهويد غور الأردن والمناطق "الشفا غورية" المؤدية إليه، وعزل الفلسطينيين عنه نحو المراكز المدنية، التي لن تلبث أن توضع تحت منظار الإلغاء هي الأخر.