رام الله - «القدس العربي» : مع بزوغ الفجر، يخرج آلاف الفلسطينيين من بيوتهم في الضفة الغربية، يفتحون الأبواب على صباحٍ يفترض أن يكون عادياً، محمّلًا برائحة القهوة وخطوات العمل الأولى.
غير أن المشهد لا يكتمل، فعلى امتداد الطرق، من مداخل القرى حتى الشوارع الرئيسية، يتبدّل الإحساس فجأة؛ يتحوّل الفرح الصباحي إلى غصّة، ويتحوّل التنفّس في الهواء إلى ثِقل، حين تفرِض الأعلام الإسرائيلية حضورها الكثيف فوق الأعمدة، عند المفارق، وتحت الجسور، كأنها تسبق الناس إلى طرقاتهم وتعلن السيطرة على الفضاء قبل الأرض.
في بلدة سنجل شمال رام الله، لا يرى الفلسطيني عيد غفري شروق الشمس كما اعتاده. يستيقظ على مشهد بات ثابتًا في يومياته: أعلام إسرائيلية تنتشر على الشوارع الرئيسية، تحاصر العين وتفرض حضورها القسري في المشهد العام. بلدته، التي طُوّقت بالجدران والأسلاك الشائكة، لم يعد أفقها مفتوحاً على الحقول والسماء، بل على أعلامٍ باللونين الأبيض والأزرق تفرض سيطرتها على المكان وتلاحق الإنسان حتى في عقله الباطني.
يصف عايد غفري هذا المشهد في حديثه لـ»القدس العربي» بأنه اختناق بصري ونفسي متواصل. فالعَلم هنا لا يُرى بوصفه قطعة قماش، بل رسالة ترهيب يومية تحاول كسر الانتماء ومصادرة الإحساس بالمكان.
يدرك أن مجرد التفكير برفع علم فلسطيني على بيته قد يجرّ اقتحامًا أو اعتقالًا. مفارقة قاسية تتكرس في الحياة الفلسطينية: صاحب الأرض ممنوع من التعبير عن هويته، بينما يُجبر على رؤية علم المحتل فوق بيته وحقله والطريق المؤدي إلى رزقه.
من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، تمتد الطرق كعروق مكشوفة في جسد الأرض. غير أن المارّ اليوم بين جنين والخليل، مرورًا بنابلس ورام الله وبيت لحم، لا يرى الطريق كما عرفه سابقًا. المشهد تغيّر؛ أعلام إسرائيلية ترتفع بكثافة عند مداخل القرى والمخيمات، فوق المفارق الحيوية وعلى امتداد الشوارع الالتفافية، في محاولة لإعادة تعريف الجغرافيا بعَلم لا ينتمي إلى المكان ولا إلى ذاكرته.
هذا الحضور الكثيف لا يُقرأ بوصفه استفزازًا بصريًا فحسب، بل سياسة مدروسة تهدف إلى احتلال الفضاء العام الفلسطيني، تمهيدًا للسيطرة الكاملة على الأرض. الفلسطيني يمرّ يوميًا تحت هذه الأعلام في طريقه إلى عمله وجامعته وحياته، يرفع رأسه فيرى رمز الدولة التي تحتلّه، بينما يُمنع هو من رفع علمه أو حتى الاحتفاظ برمز وطني داخل سيارته أو على سترته. كل محاولة للاعتراض أو إزالة هذه الأعلام تُواجَه بالقوة، وقد تتحوّل إلى سبب للاعتقال أو إطلاق النار.
يرى صلاح الخواجا، الناشط وعضو «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، أن ما يجري يشكّل أحد أخطر التحولات التي تشهدها الضفة الغربية في السنوات الأخيرة. ويشير في حديثه لـ»القدس العربي» إلى انتشار مجموعات الاستيطان على قمم الجبال، عبر ما يُعرف بالبؤر الرعوية، لا يأتي كفعل عشوائي، بل يشكل إعلان سيادة متدرّج.
هذه البؤر تُقدَّم باعتبارها أراضٍ «محررة»، ويُرفع العلم الإسرائيلي فوقها فورًا في محاولة لفرض واقع ضمّ ميداني حتى قبل أي قرار رسمي.
خلال الفترة الأخيرة، بات الإعلان عن مناطق بوصفها «مناطق عسكرية» أو «أمنية» مقدّمة مباشرة لوضع اليد عليها. وما إن يحدث ذلك حتى تظهر الأعلام الإسرائيلية، وأحيانًا شعارات تهويدية صريحة، في مشهد يهدف إلى ترسيخ واقع استيطاني جديد. ولم يقتصر هذا النهج على التلال والمراعي، بل امتد إلى محيط بيوت فلسطينية معزولة، خاصة في محافظة سلفيت، حيث وُضعت الأعلام قرب منازل منفصلة عن القرى، في رسالة ترهيب واضحة تمهّد لسياسات تهجير قسري.
بين سنجل وشيلو
هذا المسار يتسع ليشمل الطرق الرابطة بين المستوطنات على شارع 60، ولا سيما في منطقة سنجل وصولًا إلى محيط مستوطنة «شيلو» ومفترق زعترة. شهدت المنطقة انتشارًا كثيفًا للأعلام، والهدف الظاهر تقديم هذه الطرق باعتبارها شوارع «إسرائيلية» وفرض واقع جديد يمنع الفلسطينيين من استخدامها بحُرّية، تمهيدًا لضمّها رسميًا.
في هذا السياق، لا يُرفع العلم بوصفه إجراءً أمنيًا، بل إعلان سيادة واضح. الطرق الالتفافية التي تشقّ جسد الضفة لم تعد ممرات عسكرية فقط، بل شوارع استيطانية تخدم مشروعًا استعماريًا متكاملًا. وجود العلم فوقها يكرّس هذه الوظيفة، في تناقض صارخ مع القانون الدولي الذي يؤكد أن الضفة الغربية أرض محتلة.
ويؤكد مؤيد شعبان، رئيس «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، أن نشر الأعلام الإسرائيلية يترافق مع منع ممنهج لأي رمز وطني فلسطيني. حتى الرموز الصغيرة، كالسلاسل أو الميداليات التي تحمل ألوان العلم الفلسطيني داخل السيارات، تُصادَر أو تُتلف. هذه السياسة، في رأيه، تهدف إلى فرض وقائع نفسية قبل أن تكون ميدانية، وإظهار الأرض وكأنها خالية من أي حضور فلسطيني.
ورغم ذلك، يشير شعبان لـ«القدس العربي» إلى أن الفلسطينيين خاضوا معارك طويلة دفاعًا عن علمهم، وارتقى مئات الشهداء في سبيله، إلا أن الاحتلال يواصل محاولاته لإنزال العلم الفلسطيني حتى عن المدارس والمؤسسات في مناطق (ب) و(ج)، في مسعى لمحو أي تعبير عن الهوية الوطنية في الفضاء العام.
يرى المحلل السياسي ياسر منّاع أن نصب الأعلام يتجاوز الدعاية إلى ممارسة استعمارية مكتملة الأركان.
فالفلسطيني، وفق هذا المشهد، يشعر بأنه يتحرك في مكان لا يملكه، في أرض تبدو غريبة عنه رغم أنه صاحبها. هذا الضغط النفسي اليومي يهدف إلى خلق شعور دائم بفقدان السيادة والانتماء.
وتتوازى هذه الرسالة مع أخرى موجّهة للمستوطنين، مفادها أن وجودهم طبيعي ومُشرعَن. هكذا تُعاد صياغة الوعي الجمعي، ليس عبر الجدران والحواجز فقط، بل عبر الصورة والرمز واللغة البصرية المفروضة.
بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، لا تمرّ هذه الأعلام بلا أثر نفسي. الصحافية مريم جمال من مدينة جنين تصف لـ«القدس العربي» مرورها اليومي تحت هذه الأعلام بأنه غصّة لا تزول. تمشي في طريقها، على أرضها، بينما يغيب العلم الذي يعبّر عنها ويُمنع، وفي المقابل هناك علم مفروض فوق الرؤوس. أما الصحافية رنا عوينة، فترى في المشهد صراعًا مباشرًا مع الهوية: شعور مفاجئ بالغربة داخل المساحة الخاصة، وإدراك متزايد بأن الصراع لم يعد على الحدود فقط، بل على الرواية والانتماء.
لم تعد الأعلام رموزًا جامدة. كثيرون يتحدثون عن اعتداءات نفّذها مستوطنون تحتها: ضرب، رشق بالحجارة، إحراق مركبات ومزروعات، مع هتافات تنفي الوجود الفلسطيني. في هذا السياق، تُقرأ الأعلام كأداة تحريض، وكجزء من منظومة تهدف إلى فرض الهيمنة على الفضاء العام.
بهذا المعنى، لا تأتي الأعلام كنتيجة للسيطرة، بل كمقدّمة لها، احتلال للفضاء والذاكرة قبل احتلال الأرض. ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون السير في الطرق ذاتها.
بين علمٍ مرفوع بالقوة، وعلمٍ ممنوع بالقوة، لا يتوقف السؤال الفلسطيني عند من يملك الأرض فقط، بل يتجاوزه إلى سؤال أعمق: من يملك الحق في أن يروي حكايتها؟