الجزائر ـ واثق نيوز- أطاحت أزمة مياه خانقة بولاية عنابة إحدى أكبر مدن شرق الجزائر، بوزير الري في البلاد طه دربال وتكليف الأمين العام للوزارة بتسيير القطاع مؤقتا، وهي أول إقالة تشهدها حكومة الوزير الأول سيفي غريب التي تم تعيينها خريف العام الماضي.
وجاء القرار الذي أعلنته الرئاسة الجزائرية على صفحتها الرسمية، بعد اضطرابات حادة شهدتها ولاية عنابة في توزيع المياه، رغم التساقطات المطرية الأخيرة التي كان يفترض أن تحسن الوضع، وهو ما أدى إلى تذبذب واسع في توزيع المياه عبر عدة بلديات، من بينها عنابة، البوني، الحجار، سيدي عمار وسرايدي، ما أجبر السكان على اللجوء بشكل يومي إلى صهاريج المياه المتنقلة لتلبية احتياجاتهم.
وتفاقمت الأزمة مع توقف محطة تحلية مياه البحر بكدية الدراوش بولاية الطارف، وهو ما جعل الولاية تعتمد بشكل شبه كلي على السدود، وفي مقدمتها سد ماكسة الذي لم يستطع تلبية الطلب الكبير بالنظر لمشكل تعكر المياه بعد تساقط الأمطار، مما حرم مئات الآلاف من السكان من التزود الدوري بالمياه الصالحة للشرب.
وتشهد ولاية عنابة حاليا تحضيرات مكثفة لاستقبال بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر يوم 14 نيسان/أفريل الجاري الذي اختارها كمحطة ثانية في زيارته التاريخية للجزائر. وتحتضن عنابة كنيسة القديس أوغسطين، أحد أبرز أعلام الفكر الكنسي تاريخيا، وهو شخصية تحظى بتقدير البابا الجديد الذي سبق له أن صرح بأنه أوغسطيني المنهج.
وفي خضم هذه التطورات، سارعت السلطات المركزية إلى التحرك ميدانيا، حيث تنقل وزيرا الري طه دربال (قبل أن يقال في نفس اليوم) والطاقة محمد عرقاب للوقوف على وضعية محطة كدية الدراوش، التي خضعت لأشغال صيانة قبل أن تعرف خللا تقنيا أثناء إعادة التشغيل. وأكد وزير الطاقة أن المحطة التي كلّفت الدولة مبلغ 400 مليون دولار، عادت إلى العمل بكامل طاقتها الإنتاجية المقدرة بـ300 ألف متر مكعب يوميا، بعد تدخل الفرق التقنية لمعالجة الخلل وضمان استئناف التزويد بالمياه بشكل تدريجي.
وخلال هذه الزيارة، أشار عرقاب إلى أن أزمة انقطاع المياه في عنابة بلغت مستوى من الخطورة دفع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى إبداء استياء واضح، مؤكدا أن تداعيات توقف محطة التحلية وتذبذب التوزيع جعلت الملف يحظى بمتابعة مباشرة منه. ونقل الوزير أن هذه الأزمة أثرت بشكل كبير على الرئيس الذي “لم ينم لمدة ثلاثة أيام” حسبه، بسبب انشغاله بوضعية المواطنين الذين عانوا من الانقطاعات المتكررة للمياه.
ويمثل موضوع المياه عامل استقرار اجتماعي، ففي عدة مرات تسبب في احتجاجات شعبية محلية. وكانت أبرز تلك الأزمات، ما عاشته ولاية تيارت صيف 2024، حين أدت أزمة عطش حادة إلى خروج احتجاجات وغلق طرقات، في قضية أعادت ملف المياه إلى صدارة الاهتمام الوطني. يومها، اضطرت السلطات إلى إطلاق برنامج استعجالي لتزويد السكان بالمياه، مع تسخير عشرات الشاحنات بالصهاريج، إلى جانب إطلاق مشاريع لتحويل المياه وحفر آبار جديدة، مع إقالة مسؤولين محليين في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي.
ويعد قطاع الري في الجزائر من أكثر القطاعات حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحياة اليومية للمواطنين، فضلا عن تأثيره على قطاعات أخرى مثل الفلاحة والصناعة. كما أنه من القطاعات التي شهدت خلال السنوات الماضية تغييرات متكررة على مستوى المسؤولين، في سياق البحث عن تحسين الأداء ورفع كفاءة التسيير.
كما شهد القطاع متابعات لمسؤولين في السنوات السابقة، كان أبرزهم وزيرا الموارد المائية السابقين حسين نسيب وأرزقي براقي اللذين أدينا بعقوبة ثقيلة في قضايا فساد سنة 2021، إلى جانب مسؤولين آخرين في القطاع. وكشفت تلك القضايا عن اختلالات في منح الصفقات العمومية وتسيير المشاريع، ما ساهم في تكبيد الخزينة العمومية خسائر معتبرة، وأثر على وتيرة إنجاز البنى التحتية المائية.
وكانت الجزائر قد خصصت ميزانية معتبرة لإنشاء محطات تحلية المياه التي باتت تضمن نحو 40 بالمائة من حاجيات البلاد، ضمن توجه لتقليل الاعتماد على الأمطار والسدود. وتُظهر معطيات حديثة أن حجم الاستثمارات في هذا القطاع تجاوز 5.4 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، في إطار برنامج وطني لتأمين التزويد بالمياه في المناطق الساحلية والداخلية.
وعلى مستوى القدرات الإنتاجية، ارتفع عدد محطات تحلية مياه البحر إلى نحو 19 محطة، بطاقة إجمالية تفوق 3.7 مليون متر مكعب يوميا، مع هدف بلوغ نحو 60 بالمائة من حاجيات السكان بحلول 2030. كما دخلت خمس محطات كبرى حيز الخدمة في فيفري 2025 بطاقة إضافية تقدر بـ1.5 مليون متر مكعب يوميا، في حين يجري إنجاز برنامج جديد يشمل ست محطات أخرى بطاقة تقارب 1.8 مليون متر مكعب يوميا.



