الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
في هذه الأيام الحالكة التي يعيشها أسرانا في سجون الاحتلال، يعود إلى ذاكرتي وجه أخي وصديقي وأستاذي القائد مروان البرغوثي. يعود ذلك الوميض الذي كان يشع من عينيه في أحلك لحظات السجن، وكأنه يقول لنا: إن الجدران تستطيع أن تحاصر الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تحاصر الأحلام.
عشنا مع مروان سنوات الأسر، وتعلمنا منه أن المقاومة ليست شعاراً أجوفا، وليست اندفاعاً بلا حساب، وليست فعلاً ينقلب على شعبه ويأكل أبناءه. تعلمنا منه أن المقاومة فعل أخلاقي ووطني وإنساني، غايتها حماية الشعب والدفاع عن كرامته وحقه في الحرية.
كان مروان يؤمن بأن بناء الإنسان جزء من المقاومة. ومن أجمل ما رسخه فينا قوله : إذا لم نستطع أن نجعل كل متعلم مناضلاً، فبإمكاننا أن نجعل كل مناضل متعلماً. لذلك فتح في السجون أبواب المعرفة والتعليم والوعي، وحوّل الزنازين إلى مدارس وجامعات وورش فكر وأمل.
كنا أسرى، لكن آفاقنا لم تكن أسيرة. كانت أحلامنا تمتد إلى فلسطين كلها، بل إلى العالم كله. كنا نقرأ ونكتب ونتعلم ونختلف ونتحاور، لأننا كنا نؤمن أن الحرية تبدأ في العقل قبل أن تتحقق على الأرض.
ولذلك أقولها اليوم بوجع الأسير الذي خرج وما زال قلبه مع إخوته الذين تركهم خلف القضبان : نحن الأسرى لم نطلب يوماً أن يُضحى بالشعب من أجل حريتنا. لم نطلب أن تُهدم المدن، وأن يُقتل الأطفال، وأن يُشرد الناس، وأن يُلقى الشعب في أتون الكارثة بحجة تحرير الأسرى.
نحن دخلنا السجون لأننا آمنّا بحرية شعبنا واستقلال وطننا، لا لأن يتحول شعبنا إلى وقود من أجل حريتنا الشخصية. فالأسير الحقيقي يشعر بالألم إذا نجا هو وبقي شعبه ينزف، ويشعر بأن حريته ناقصة ما دام رفاقه وشعبه يدفعون هذا الثمن الباهظ.
اليوم، وبينما يقبع مروان البرغوثي وآلاف الأسرى في ظروف هي الأقسى في تاريخ الحركة الأسيرة، فإنهم يثبتون مرة أخرى أن الإنسان يمكن أن يُعذب ويُعزل ويُحرم، لكنه لا يُهزم ما دام متمسكاً بحلمه.
وسيظل مروان، كما عرفناه، يحلم بفلسطين الحرة، وبالشعب الموحد، وبالمشروع الوطني الجامع الذي يتسع للجميع، لأن الانقسام في نظره كان دائماً أحد أخطر الجراح التي أصابت قضيتنا.
إلى أخي مروان، وإلى إخوتي الأسرى الذين تركناهم خلف القضبان: لسنا نملك إلا أن نقول إننا لم ننساكم يوماً، وإن وجعكم يسكننا كل يوم . وأننا تعلمنا منكم أن المقاومة الحقيقية هي التي تحمي شعبها، وتبني إنسانها، وتصون وحدتها، وتبقي الحلم حياً مهما اشتد الظلام .
أما أن يتحول الشعب نفسه إلى ضحية، وأن يصبح الألم قدراً يومياً باسمه، فذلك ليس هو الحلم الذي حملناه في الزنازين، وليس هو الدرس الذي تعلمناه من مروان البرغوثي ورفاقه.
ستبقى أحلامكم أكبر من السجون، وستبقى فلسطين، كما كانت دائماً في عيونكم، وطناً يستحق الحرية والحياة والكرامة، لا وطناً يُطلب منه أن يفني نفسه لكي يثبت أنه يقاوم .
*اسير محرر يقبع في القاهرة

