الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
عندما تحول جسر الملك حسين - أو معبر الكرامة ، أو اللنبي كما يسميه الاحتلال - من شريان حياة يربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي إلى كابوس يومي من الازدحام والإذلال والاستغلال، فإن الأزمة لم تعد مجرد إخفاق إداري عابر، بل أصبحت وصمة عار سياسية وإنسانية بامتياز.
فالمعبر الذي يُعد المنفذ البري الوحيد لسكان الضفة الغربية نحو الأردن والعالم، يتحول يومياً إلى ساحة لعذاب جماعي، يدفع ثمنه فلسطينيون يبحثون عن العلاج أو التعليم أو العمل أو لم شمل عائلاتهم. وقد وصف وزير الداخلية الأردني مازن الفراية واقع الخدمات على هذا الجسر بأنه "زبالة"، في اعتراف رسمي صادم بحجم الكارثة.
الاحتلال: المسؤول الأول والأخير
لا مراء في أن المسؤولية الأساسية عن هذه الأزمة المتفاقمة تقع على عاتق الاحتلال الإسرائيلي، الذي يتحكم بشكل كامل بآليات فتح وإغلاق المعبر وساعات العمل. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، حول الاحتلال المعبر إلى أداة للعقاب الجماعي وإذلال الفلسطينيين.
فبعد أن كان الجسر يعمل سابقاً بساعات أطول، قلص الاحتلال ساعات العمل بشكل جذري، حيث أصبح يغلق أبوابه عند الساعة الواحدة والنصف ظهراً معظم أيام الأسبوع، ويغلق كلياً أيام السبت. بل إن الاحتلال يمتنع عن استقبال الحافلات بعد الساعة الواحدة ظهراً، رغم أن ساعات العمل الرسمية تم تمديدها حتى الخامسة مساءً بقرار من الكنيست، في التفاف مكشوف على القرارات.
هذه الإجراءات التعسفية، التي وصفها مختصون وناشطون بأنها ترتقي إلى "مستوى المعاملة القاسية والمهينة التي يحظرها القانون الدولي" ، تأتي في سياق سياسة إسرائيلية ممنهجة لتقييد حركة الفلسطينيين، وليس مجرد إجراءات أمنية كما يدعي الاحتلال. فالمعبر يعد الشريان التجاري والاقتصادي الوحيد للضفة، حيث يتم عبره تصدير المنتجات الفلسطينية واستيراد المواد الخام، وإغلاقه أو تقليص ساعات عمله يعني شل حركة الاقتصاد الفلسطيني بالكامل.
الفجوة الكارثية بين العرض والطلب
الأرقام وحدها تكشف عن حجم المأساة، فالمنصة الإلكترونية للحجز لا تستوعب سوى 4000 مسافر يومياً، في حين يتجاوز عدد الراغبين في العبور 10 آلاف شخص. هذه الفجوة الهائلة بين القدرة الاستيعابية والطلب تخلق أزمة خانقة، حيث يبقى آلاف الفلسطينيين عالقين في الجانب الأردني لعدة أيام، غير قادرين على العودة إلى منازلهم في الضفة الغربية.
وتتفاقم المعاناة في مواسم الذروة، حيث تتحول رحلة السفر إلى تجربة مرهقة تختلط فيها ساعات الانتظار الطويلة بالضبابية الإجرائية والإغلاقات المفاجئة. فالمسافر الذي ينجح في الحصول على حجز مسبق لا يضمن رحلة سلسة، إذ تبدأ معاناة جديدة عند الوصول إلى منطقة الجسر، حيث سلسلة طويلة من الإجراءات المتكررة ونقاط التدقيق المختلفة، وسط حر الصيف اللاهب أو برد الشتاء القارس .
جشع المقاولين والسماسرة: استغلال الألم
ولكن الاحتلال ليس المتهم الوحيد في هذه القضية. فالمشهد المأساوي على الجسر يكتمل بفعل جشع المقاولين والسماسرة والمتاجرين بقضية المسافرين، الذين حولوا معاناة الناس إلى سوق رابحة.
فمنصة الحجز الإلكترونية التي كان من المفترض أن تنظم حركة السفر وتحد من الفوضى، تحولت إلى أداة للاستغلال، حيث يشتري السماسرة التذاكر بأعداد كبيرة ليعيدوا بيعها في السوق السوداء بأسعار خيالية. فالتذكرة التي يُفترض أن تباع بـ 7 دنانير ، تُباع في السوق السوداء بأسعار تصل إلى 10 أضعاف، أي نحو 60-70 ديناراً، وفي بعض الحالات بلغت 100 دينار (حوالي 150 دولاراً).
ولم تتوقف الممارسات الاستغلالية عند هذا الحد، فقد كشفت مصادر رسمية عن تفشي ظواهر الابتزاز وطلب الرشاوى، التي وصلت في بعض الأحيان إلى 500 دينار أردني مقابل تسهيل المرور. هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً لكرامة المسافرين، وتحويلاً لمحنتهم إلى مصدر ربح للمتاجرين.
الطبقية على أبواب المعبر
ومع تفاقم الأزمة، برزت ممارسات المحسوبية والزبائنية كآفة أخرى تضرب المنظومة برمتها. ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن العادي من الانتظار لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، توجد خدمة VIP لمن يستطيع الدفع، والتي تحولت هي الأخرى إلى مصدر استغلال إضافي.
هذه الخدمة، التي تهدف إلى توفير راحة لكبار الشخصيات، أصبحت تباع بأسعار تصل إلى 121 دولاراً للشخص الواحد، ما يكرس الطبقية ويجعل القدرة على العبور مرهونة بالقدرة المالية. بل إن الطلب على هذه الخدمة أصبح كبيراً لدرجة أن الانتظار قد يستمر لثلاث ساعات، مما أفرغ الخدمة من معناها.
وتشير شهادات المواطنين إلى وجود شبكات وسطاء غير رسمية توفر الحجز مقابل مبالغ مضاعفة، في غياب واضح للرقابة والمتابعة. هذه الممارسات، التي تجمع بين الجشع والمحسوبية والزبائنية، تمثل إهانة مضاعفة للمسافر الفلسطيني الذي يدفع ثمناً باهظاً لاستعادة حقه الطبيعي في التنقل.
معاناة إنسانية بامتدادات وطنية
تتجلى تداعيات هذه الأزمة بشكل مؤلم في حياة المواطنين اليومية. فالسيدة هنادي الحموري، التي كانت متوجهة إلى الأردن لتلقي العلاج، وجدت نفسها وسط ازدحام شديد وتدافع بين مئات المسافرين، قبل أن تتعرض لإصابة أدت إلى كسر في قدمها. وفي رواية أخرى، تصف الفلسطينية نائلة مزاهرة رحلتها عبر الجسر بأنها كانت "واحدة من أكثر تجارب السفر إرهاقاً"، حيث شاهدت مسنين وأطفالاً يقفون تحت المطر لساعات طويلة.
ويضطر المسافرون لدفع ضريبة مغادرة ترتفع باستمرار، حيث بلغت 178 شيكلاً عام 2025، إضافة إلى رسوم دخول الأردن وتكاليف نقل الأمتعة التي تتراوح بين 20 و30 دولاراً. وتشير التقديرات إلى أن قيمة الاقتطاعات التراكمية من هذه الرسوم قاربت المليار شيكل حتى آب 2025، في استنزاف إضافي لحقوق الفلسطينيين.
مقترحات للحل
في مواجهة هذه الكارثة الإنسانية، يبقى الحل الجذري الوحيد هو فتح الجسر على مدار الساعة، كما تطالب بذلك مبادرة "حقنا الجسر 24/7". فهذا المطلب ليس رفاهية، بل هو حق أساس من حقوق الإنسان يكفله القانون الدولي.
وبالإضافة إلى ذلك، تشمل المقترحات العملية:
-تشكيل لجان فنية فلسطينية أردنية مشتركة لمعالجة الإشكاليات اليومية المتعلقة بحقائب المسافرين وآليات المرور وتنظيم قاعات الاستقبال.
-ربط كل تذكرة حجز إلكتروني برقم جواز السفر، لمنع بيعها وتداولها في السوق السوداء.
-تكثيف الحملات الأمنية لضبط السماسرة وكل من يستغل المسافرين بطرق غير مشروعة.
-تحويل خدمة VIP لتصبح عبر الحجز الإلكتروني المسبق، بدلاً من الحجز الشخصي عند النافذة، للحد من المحسوبيات.
-تحرك سياسي وقانوني مشترك للضغط على حكومة الاحتلال عبر المؤسسات الدولية، ودعوة الاتحاد الأوروبي والممثليات الدبلوماسية لإرسال وفود ميدانية للاطلاع على أوضاع المسافرين وتوثيق الانتهاكات.
ان ما يحدث على جسر الملك حسين ليس مجرد أزمة سفر أو إخفاق لوجستي، بل هو فضيحة سياسية وإنسانية بكل المقاييس. فالاحتلال يتحمل المسؤولية الأساسية، لكن الجشع والمحسوبية والزبائنية من جانب بعض المقاولين والسماسرة والوسطاء يضاعفون المعاناة ويحولون محنة الفلسطينيين إلى سوق رابحة.
كما ان استمرار هذه الأزمة لا ينعكس فقط على المسافرين لأغراض العلاج أو الدراسة أو العمل، بل يمس حقاً إنسانياً أساسياً يتمثل في حرية التنقل والكرامة الإنسانية. وقد آن الأوان ليتحمل الجميع "الفلسطينيون والأردنيون والمجتمع الدولي"،مسؤولياتهم في إنهاء هذه المأساة.
جهود اردنية فلسطينية مشتركة
وتجدر الاشارة هنا الى ان جهود الأردن لم تقتصر على التصريحات، بل تبعتها لقاءات مكثفة على أعلى المستويات. ففي سلسلة من الاجتماعات المتلاحقة خلال الأسبوع الماضي، التقى وزير الداخلية الفلسطيني اللواء زياد هب الريح بنظيره الأردني مازن الفراية في العاصمة الاردنية عمان وعلى معبر الكرامة نفسه.
وكان أبرز ما خرجت به هذه اللقاءات هو الاتفاق على تشكيل لجنة فلسطينية - أردنية مشتركة، تضم مدراء المعابر والطواقم المختصة في البلدين، لمتابعة العقبات اليومية التي تواجه المسافرين والعمل على معالجتها بشكل مستمر. وستتولى هذه اللجنة متابعة الاحتياجات والملاحظات اليومية المتعلقة بحركة السفر، بما في ذلك التنسيق بشأن زيادة ساعات العمل على المعبر التي جرى تقليصها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى التعامل مع الحالات الإنسانية التي تتطلب السفر أو العودة بصورة عاجلة.
وفي خضم هذه الأزمة المتفاقمة، يبرز الدور المركزي للأردن كركيزة أساسية في تخفيف معاناة المسافرين الفلسطينيين. فالأردن ليس مجرد طرف في المعادلة، بل هو الشريك الأقرب والأكثر تأثيراً في إدارة هذا المعبر الحيوي.
ومع ذلك، يبقى الحل الجذري مرهوناً بفتح الجسر على مدار الساعة، وهو ما يعمل الأردن وفلسطين معاً على تحقيقه من خلال اللجنة المشتركة والتواصل مع الشركاء الدوليين. فالأردن، بدوره المحوري وعلاقاته المتوازنة، يمكنه أن يكون الصوت الأقوى في الضغط على الاحتلال لاستعادة الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لملايين الفلسطينيين الذين لا منفذ لهم إلى العالم سوى هذا الجسر.

