رئيس التحرير

أزمة اليسار الفلسطيني: من ثورة مقاومة إلى خطاب شعاراتي واستدامة بالتمويل

9 مشاهدة
أزمة اليسار الفلسطيني: من ثورة مقاومة إلى خطاب شعاراتي واستدامة بالتمويل

الكاتب : واصل الخطيب

رئيس التحرير


لم يعد خافياً على أحد أن اليسار الفلسطيني قد فقد رونقه في المشهد السياسي، إذ بعد أن كانت الفصائل اليسارية تتحرك ضمن مساحة سياسية وشعبية تضغط من خلالها على حركة "فتح" داخل منظمة التحرير، أصبحت هذه الفصائل هامشية التأثير في المسار السياسي العام . الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب الفلسطيني – هذه الأسماء التي كانت تشكل العمود الفقري للمشروع التحرري العلماني – تحولت اليوم إلى أحزاب ذات طابع شعاراتي قديم لا ينسجم مع متغيرات المرحلة، وفقدت طبيعتها الثورية بتحولها إلى أحزاب علنية تعتمد على الموازنات والدعم الخارجي من أجل البقاء لا العطاء.

الجذور التاريخية: نشأة الثوار
تعود جذور الجبهة الشعبية إلى حركة القوميين العرب التي تشكلت إثر نكبة فلسطين عام 1948، والتي تحولت بعد هزيمة 1967 إلى تنظيمات قطرية كان نصيب فلسطين منها تنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التي صدر بيانها الأول في 11 ديسمبر/كانون الأول 1967. وقد تبنّت الجبهة منذ تأسيسها التوجه الماركسي اللينيني، وتأثرت بأفكار ماوتسي تونغ.

وفي 22 فبراير/شباط 1969، انشقت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عن الجبهة الشعبية بقيادة نايف حواتمة، وذلك إثر معارضته اهتمام الجبهة الشعبية بالعمل المسلح على حساب التوعية السياسية والإيديولوجية. أما حزب الشعب الفلسطيني، فهو امتداد للحزب الشيوعي الفلسطيني الذي يعود تاريخ وجوده إلى عشرينات القرن الماضي، وأعيد تأسيسه في 10 فبراير/شباط 1982.

كانت هذه التنظيمات في نشأتها الأولى تعبر عن مشروع ثوري طموح، يعتمد على العمل السري والعسكري، ويسعى إلى تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح، مستنداً إلى قاعدة جماهيرية عريضة وفكر أيديولوجي متماسك.

المفارقة الكبرى التي يعيشها اليسار الفلسطيني تكمن في الفجوة بين طرحه الأيديولوجي وممارسته السياسية. فبينما ظلّت هذه التنظيمات ترفع شعارات الماركسية والتحرر الوطني، فإن محتوى هذه الشعارات أصبح جوفاءً من أي مضمون سياسي أو برنامجي قابل للتطبيق.

لقد تأثر اليسار الفلسطيني بشدة بانهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، الذي أشاع حالة من الذهول والضياع الروحي وخيبة أمل عميقة. فشكل سقوط النموذج الاشتراكي "تسونامي أتى على ينابيع الحياة الفكرية والروحية والمادية لليسار قبل أن يستطيع الاعتماد على نفسه". هذا الانهيار الأيديولوجي لم يصاحبه أي مراجعة نقدية جادة للبرنامج السياسي، بل انزلق اليسار إلى خطاب شعاراتي يخلو من الرؤية الاستراتيجية الواضحة.

وقد تحولت هذه الأحزاب إلى استخدام "الرمزية في خطاباتها وبياناتها السياسية"، مكررةً ذات العبارات الإنشائية عن المقاومة والتحرير، دون تقديم برامج سياسية واقتصادية واجتماعية تتناسب مع تعقيدات المرحلة الراهنة. فخطابها أصبح خطاباً متحجراً لا يخاطب هموم الفلسطينيين اليومية، ولا يقدم حلولاً للأزمات المعيشية والسياسية التي يعاني منها الشعب.

من السرية إلى العلنية: فقدان الطبيعة الثورية
إن تحول هذه التنظيمات من حركات سرية وعسكرية إلى أحزاب علنية مارست العمل السياسي المعلن كان بمثابة تحول جوهري في طبيعتها. فالجبهة الشعبية التي كانت تنفذ عمليات خطف الطائرات في السبعينيات وتستهدف السفارات والقيادات الإسرائيلية، أصبحت اليوم حزباً سياسياً علنياً يمارس نشاطه في إطار السلطة الفلسطينية.

هذا التحول إلى العلنية أفقد هذه التنظيمات طابعها الثوري. فالطبيعة السرية للعمل الثوري كانت تمنحها مرونة وقدرة على المناورة، وتجعلها في حالة استعداد دائم للمواجهة. أما اليوم، ومع تحولها إلى أحزاب علنية تخضع لقوانين السلطة وتعمل في إطار المؤسسات الرسمية، فقد فقدت قدرتها على القيام بأي عمل ثوري حقيقي.

وقد شهدت الجبهة الديمقراطية تراجعاً في شعبيتها مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي لعوامل عدة، أبرزها انهيار المعسكر الشرقي وتنامي حركات المقاومة الإسلامية في الداخل الفلسطيني. وهذا التراجع لم يكن طارئاً، بل كان نتيجة حتمية لفقدان هذه التنظيمات لطابعها الثوري وتحولها إلى أحزاب سياسية تقليدية.

الاعتماد على التمويل الخارجي
من أخطر مظاهر أزمة اليسار الفلسطيني تحوله من قوى معارضة تعتمد على الجماهير إلى أحزاب تعتمد على الموازنات والدعم الخارجي من أجل البقاء. فبدلاً من أن تستمد شرعيتها وقوتها من القاعدة الجماهيرية، أصبحت هذه التنظيمات تعتمد في استمراريتها على التمويل الخارجي بكل اشتراطاته المأساوية من التبعية والخضوع.

وكشف جهاز "الشاباك" الإسرائيلي عن آليات لتمويل الجبهة الشعبية من خلال استخدام التمويل المقدم من وكالات الإغاثة في أوروبا. وهذا يكشف عن مفارقة كبرى: تنظيمات كانت ترفع شعار مقاومة الإمبريالية والغرب، أصبحت تعتمد في بقائها على تمويل غربي.

إن هذا الاعتماد على التمويل الخارجي يحول هذه الأحزاب إلى مؤسسات تسعى إلى البقاء أولاً، وليس إلى العطاء الثوري. فبدلاً من أن تنفق طاقتها في تنظيم الجماهير وقيادة النضال، تنشغل بضمان استمرارية التمويل، مما يجعلها أقرب إلى المنظمات غير الحكومية منها إلى الأحزاب الثورية. وهذا ما يفسر تراجع نفوذ الجبهة الديمقراطية داخل الساحة الفلسطينية منذ تسعينيات القرن العشرين، وهو تراجع طال في الواقع تعبيرات اليسار الفلسطيني جميعها.

التهميش السياسي وفقدان القاعدة الجماهيرية
لقد أصبحت القضية الوطنية الفلسطينية تتلاعب بها رياح ثنائية مؤلفة من حركتي حماس وفتح، بينما يقف اليسار الفلسطيني متفرجاً عاجزاً عن التأثير. وهذا التهميش لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لفقدان هذه الأحزاب لقاعدتها الجماهيرية وتحولها إلى نخب سياسية منعزلة عن هموم الناس.

فبدلاً من أن يكون اليسار هو الصوت المعبر عن تطلعات الطبقات الكادحة والفقراء والمهمشين، تحول إلى أداة في الصراع الداخلي الفلسطيني، أو إلى مجرد زينة سياسية تظهر في المناسبات وتختفي في الجد. وقد فشل اليسار الفلسطيني في تقديم خطاب وبرامج ذات طابع أيديولوجي تقدمي علماني ووطني ينافس الخطابين السائدين.

إن التراجع الكبير في شعبية اليسار الفلسطيني يعكس أزمة عميقة في هويته ورسالته. ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يكون اليسار هو البديل العلماني التقدمي للخطاب الديني والخطاب السلطوي، وجد نفسه عاجزاً عن تقديم أي بديل جذاب للجماهير، واكتفى بتكرار شعارات بالية لا تمس واقع الناس.

الخلاصة: أزمة وجود لا مجرد أزمة عابرة
أزمة اليسار الفلسطيني ليست أزمة عابرة أو ظرفية، بل هي أزمة وجودية تعكس تحولاً جذرياً في طبيعة هذه التنظيمات. فمن حركات ثورية سرية كانت تشكل رأس حربة في مواجهة الاحتلال، تحولت إلى أحزاب علنية شعاراتية تعتمد على التمويل الخارجي للبقاء.

إن استمرار هذا الوضع يعني المزيد من التهميش والانحسار، ويحول دون قيام اليسار بدوره الطبيعي كقوة دافعة للتغيير الاجتماعي والسياسي. فالقضية الفلسطينية، كما يؤكد المحللون، بحاجة إلى جميع طاقات الشعب الفلسطيني، وهي كحركة تحرر لا تحتمل تركيبة حكومية معارضة وموالاة كدولة مستقلة، بل تحتاج إلى جبهة وطنية عريضة شاملة وموحدة.

لكن اليسار الفلسطيني اليوم، بخطابه الشعاراتي الماضوي واعتماده على التمويل الخارجي، بعيد كل البعد عن أن يكون قادراً على قيادة هذه الجبهة. إنه بحاجة إلى مراجعة نقدية جذرية، تعيده إلى جذوره الجماهيرية، وتحرره من تبعاته الخارجية، وتجدد خطابه بما ينسجم مع متغيرات المرحلة وتحدياتها. وإلا فإن مصيره سيكون مجرد صفحات في تاريخ الثورة الفلسطينية، لا أكثر.