الكاتب : عصام بكر
تمر الأراضي الفلسطينية المحتلة بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وأشدها خطورة على الإطلاق. فأزمات متلاحقة ومتفاقمة تعصف بواقع متآكل، يراه البعض، بل وترى أوساط واسعة، أنه يقترب من الانهيار. فهناك شبه انهيار في الوضع الاقتصادي، وتردٍّ في الأوضاع المعيشية، وارتفاع في معدلات البطالة، وتفاقم في الحالة الاجتماعية. ويترافق ذلك مع انقسامات سياسية حادة، حتى باتت جهات وازنة تطرح إعادة تعريف المشروع الوطني الجامع، والتساؤل عن الأسس التي يقوم عليها، وما هو المقبول أو الممكن تحقيقه في ظل تغوّل الاستيطان، واعتداءات المستوطنين، وهدم البيوت، والاستباحة الشاملة للأراضي الفلسطينية، ولا سيما الأرياف والبلدات.
ولم تعد تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) ذات أي مدلول سياسي من وجهة نظر الاحتلال، فيما تضرب "دولة المستوطنين" في الضفة الغربية، عبر جيشها ومليشيات المستوطنين المسلحة التي تُقدَّر بعشرات الآلاف، والمدربة والممولة والمحمية من حكومة الاحتلال، بقرار من أعلى المستويات، ومدعومة بكل المقومات اللازمة. ولم يعد الأمر يقتصر على رعي الأغنام وإطلاقها في محيط بيوت المواطنين أو بينها، بل إن كل ما يجري يندرج ضمن خطة لفرض واقع مختلف تمامًا عما كان قائمًا في السابق.
الصورة قاتمة وتبعث على التشاؤم، ويكاد بصيص الأمل يتلاشى. فهل انتهى كل شيء حقًا؟ وهل أصبحنا أمام واقع يصعب تغييره؟ وهل ستقود حالة العجز التي نعيشها اليوم إلى مزيد من التدهور نحو ما هو أكثر خطورة؟ فالاحتلال، في ظل هذا الواقع، يكشف علنًا عن مشاريعه القائمة على الترحيل القسري أو "الطوعي"، وتفريغ الأرض من أصحابها. وحتى مع بواكير الدعاية الانتخابية للانتخابات المقبلة في دولة الاحتلال، تتسابق القوائم المتنافسة على رفض الدولة الفلسطينية، وتتبنى مخططات الضم والاستيلاء على الأرض، وإجراءات تهدف إلى تكريس حالة الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبموازاة ذلك، تستمر سرقة أموال المقاصة، وقطع الرواتب، وخنق مقومات الحد الأدنى للبقاء. وهذه التوصيفات للواقع الراهن تحظى بإجماع واسع، في ظل استمرار المخاوف من تآكل الأطر والمرجعيات، وغياب الحوار الجدي، رغم اعتبار العام الجاري عامًا للانتخابات والتحضير لانتخابات المجلس الوطني المقررة في نهايته. وكل ذلك، وغيره الكثير، يدركه الجميع، بل يُستعرض باستمرار في مشهد تختلط فيه الأوراق، ويغيب فيه الموقف الوطني الذي طالما شكّل البوصلة و"المدماك" الذي يُبنى عليه في تعبئة الشارع وحشد الإمكانات لمواجهة الأخطار.
وتتجلى أخطر مظاهر هذا الواقع في أن الشارع اليوم بات دون حماية، ودون غطاء، ودون توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود التي يتحدث عنها الجميع، من دون خطوات عملية أو برنامج واضح أو فهم مشترك ومتوافق عليه.
ورغم كل ذلك، علينا ألا نفقد الأمل، وليس مسموحًا التراجع أو السماح بتصدع الوضع بما يحقق أهداف الاحتلال ومستوطنيه الذين يعيثون خرابًا. فلننظر إلى بقعة الضوء في بحر السواد الممتد في تفاصيل حياتنا والمخيم على مشهد دامٍ؛ فالأمل موجود دائمًا.
ومن يتابع ما يجري، على سبيل المثال، في الريف الشرقي لرام الله، وهي من أكثر المناطق تعرضًا للاستهداف اليومي من المستوطنين وانتهاكات الاحتلال، يلحظ تجربة "الهبات" أو "الفزعات" الشعبية عند مهاجمة القرى، والتي عكست صورة مشرقة من التلاحم والتكاتف بين الأهالي، صغارًا وكبارًا. كما برزت لجان الحراسة والحماية الشعبية، التي تعمل بشكل تطوعي، ويتكاتف الأهالي لتوفير الإمكانات اللازمة لها، وقد كان لها دور فاعل ومشهود في الحيلولة دون وقوع عدة حوادث مميتة، بعد سرعة إيقاظ الناس وتنظيم الاستجابة.
ومثال آخر يتمثل في حالة اللحمة التي شهدتها بلدة سنجل شمال رام الله، وهي من القرى المستهدفة بالاستيطان، حيث استطاع الأهالي جمع مبلغ 370 ألف شيكل خلال ساعات، بعد فتح باب التبرعات لمساعدة المزارعين الذين تعرضوا لهجمات المستوطنين وسرقة مواشيهم، تعويضًا لهم وإسنادًا لصمودهم، ضمن حملة "وقفة عز... سنجل لا تنكسر".
كما شهدت العديد من القرى والبلدات، التي ذاقت ويلات اعتداءات المستوطنين في ريف نابلس، حملات تبرع وإسناد شعبي، إلى جانب توفير الأسلاك الشائكة لحماية الأراضي المهددة بالمصادرة، وتوزيع الأشتال والمساعدات في عدد من قرى سلفيت، وتقديم المساعدات الطارئة في مسافر يطا. إن هناك حراكًا يجري، وفعلًا حاضرًا، حتى وإن لم يُعلن عنه رسميًا، وهو ما يدل على أن الحس الجمعي ما زال موجودًا بقوة، رغم وحشية ممارسات الاحتلال.
هناك أوضاع قاسية ومثيرة للجدل، هذا صحيح. فالسرقة ليست للمواشي فحسب، بل للمستقبل والوجود في هذه البلاد. وما دام الأمر كذلك، فإن الوقوف إلى جانب الناس والقرى المستهدفة قادر على شد أزر المزارعين، ومنحهم معنويات كبيرة في مواجهة ما يجري، والإسهام في تعزيز بقاء عائلة أو تجمع بدوي على أرضه، رغم الحاجة إلى مزيد من الإمكانات.
إن هذه القرى والبلدات والمخيمات لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات والخطب الرنانة، بقدر حاجتها إلى ما يعزز وجودها فوق الأرض ويجعله أكثر رسوخًا. وهذا واجب بسيط، ينبغي أن تعبر عنه جميع التحركات، وأن تتلاقى فيه الطاقات الرسمية، رغم محدوديتها، مع الطاقات الأهلية، بما هو متوفر ومتاح، إضافة إلى القطاع الخاص بكل ما يملكه من موارد. فالوجود على الأرض اليوم هو عنوان الحياة في مواجهة مخطط التهجير والتطهير العرقي.
أما الموقف السياسي، فرغم ترنح الحالة، فما زال بالإمكان تمتينه وتقويته، ويمكن للمبادرات الشعبية، كما في دير أبو مشعل، والخضر، ومسافر يطا، وقرى الأغوار، وطوباس، والخان الأحمر، والتجمعات البدوية التي تحمي مناطق شرق القدس من مخطط (E1)، وصولًا إلى مسافر يطا والجنوب، أن تفرض وقائع جديدة على الأرض.
إن الصورة ليست سوداء إلى الدرجة التي لم يعد بأيدينا فيها حيلة. فعلى العكس، لقد تضررت صورة الاحتلال كثيرًا في الإقليم والعالم، وأصبح على قائمة العار، ولم تعد "إسرائيل" تُنظر إليها بوصفها القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة كما في السابق. وهناك متغيرات وتحولات كبيرة جرت وتجري، ينبغي الاستفادة منها وفتح نافذة للاختراق، من خلال موقف فلسطيني صلب، متماسك، وقوي، يعيد التأكيد على التمسك بالحقوق المشروعة.
كما أن الساحة الداخلية قادرة، بالإمكانات الشعبية المتاحة، رغم محدوديتها وحالة الإحباط واليأس، على رد الاعتداء. فاليأس ليس قدرًا، والمبادرات الشعبية في الأرياف اليوم ليست مجرد مطلب أو أولوية، بل أصبحت بؤرة عمل لاستعادة الحالة الوطنية واستنهاض العمل الشعبي الذي غاب. فكل مبادرة في إحدى القرى هي تعبير عن قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود في مواجهة الترحيل.
وما نفتقده خلال الفترة الماضية هو غياب النماذج الحية، إلى جانب نقص الموارد مقارنة بحجم الاعتداءات، لكن ذلك لا يعني أن حالة الصمت دائمة. فنماذج سنجل، ودير أبو مشعل، ويطا، وغيرها الكثير، تمثل إزاحة للستار عن واقع يتوجب تغييره، وهي قنطرة ينبغي توسيعها وتبنيها لتغدو نمطًا راسخًا من أنماط المقاومة الشعبية لشعب يرزح تحت الاحتلال ويتطلع إلى الخلاص.
وحتى المسارات التي ينظمها الشبان والشابات للتعرف إلى القرى والأرياف تمثل مساهمة في صقل جيل كامل، وتعريفه بطبيعة البلاد وتضاريسها الخلابة، لكنها في الوقت ذاته تشكل نقطة تحدٍ ينظر إليها الاحتلال والمستوطنون بحساب، بما يجعلهم يعيدون التفكير قبل الاقتراب من تلك المناطق. إنها نموذج آخر لرهان شعب منغرس في أرضه، ورسالة واضحة لهؤلاء الغرباء بأن الأجيال ما زالت تحلم، وما زالت قادرة على السير بحلمها قدمًا، رغم هذه العتمة.
*عضو المجلس الوطني الفلسطيني

