ثقافة

واحد و أربعون عاماً من العطاء الوطني والمعرفي .. اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو – الإيسيسكو – الألكسو)

10 مشاهدة
واحد و أربعون عاماً من العطاء الوطني والمعرفي .. اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو – الإيسيسكو – الألكسو)

الكاتبة : د. إيمان هريدي 


تقف اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم اليوم على أعتاب محطة تاريخية استثنائية، تتمثل في  مرور واحد وأربعين عاما على تأسيسها، وهي مناسبة وطنية تستدعي استحضار مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز والعمل الدؤوب في خدمة القضية الفلسطينية والإنسان الفلسطيني في مجالات التربية والثقافة والعلوم.
وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود ، شكلت اللجنة  جسرا استراتيجيا يربط دولة فلسطين بالمنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) ، لتكون صوت فلسطين في المحافل الدولية، وحارسا لهويتها الوطنية، ومدافعا عن حق شعبها في التعليم والثقافة والمعرفة والتنمية.

وقد تأسست اللجنة بقرار من منظمة التحرير الفلسطينية، انطلاقا من إيمان راسخ بأهمية التربية والثقافة والعلوم كركائز أساسية في مشروع التحرر الوطني والبناء الحضاري، وتجسيدا للقيم الإنسانية التي تقوم عليها رسالة اليونسكو ، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والعدالة والتسامح والسلام واحترام التنوع الثقافي . وخلال مسيرتها الطويلة ، برزت اللجنة كمؤسسة وطنية رائدة أسهمت في بناء الوعي الثقافي والتربوي والعلمي الفلسطيني ، وحماية الذاكرة الوطنية، وتعزيز حضور فلسطين في الساحات الدولية ، وتمكين   المؤسسات الوطنية والأجيال  الشابة من أدوات المعرفة والإبداع والابتكار.
الرؤية الوطنية ورسالة اللجنة ..
منذ تأسيسها، حملت اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم رؤية وطنية واضحة تتمثل في بناء الإنسان الفلسطيني القادر على الإبداع والإنتاج والمعرفة، وترسيخ الثقافة الوطنية الفلسطينية باعتبارها  أحد أهم عناصر الصمود والحفاظ على الهوية الوطنية.
وقد عملت اللجنة على تحقيق هذه الرؤية من خلال تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة ، وتوفير الفرص التعليمية والثقافية والعلمية، وتطوير قدرات المؤسسات الوطنية، وإتاحة المجال أمام مختلف فئات المجتمع الفلسطيني للاستفادة من البرامج والمبادرات الدولية والإقليمية.كما أولت اللجنة اهتماماً خاصاً بحماية التراث الثقافي الفلسطيني المادي وغير المادي، باعتباره أحد أهم مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية، وسعت إلى توثيقه وصونه وتعزيز حضوره على المستويات العربية والإسلامية والدولية.
أربعة عقود من الحضور الفلسطيني الفاعل ..
خلال واحد وأربعين عاماً ، تمكنت اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم من ترسيخ حضور دولة فلسطين في المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة، وتعزيز مشاركتها في المؤتمرات العامة والهيئات التنفيذية واللجان الفنية المختلفة . وشكّلت اللجنة مظلة وطنية جامعة للتنسيق بين الوزارات والمؤسسات الحكومية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والاتحادات المهنية والمراكز البحثية، بما يضمن توحيد الجهود الفلسطينية   في مجالات التربية والثقافة والعلوم. 
كما أسهمت في ضمان التمثيل الدائم والفاعل لدولة فلسطين في الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، وإشراك الخبراء والمتخصصين الفلسطينيين في صياغة السياسات والبرامج الإقليمية والدولية، الأمر الذي عزز من حضور الرواية الفلسطينية في المحافل العالمية. 
الاستثمار في الإنسان الفلسطيني ..
آمنت اللجنة الوطنية منذ انطلاقتها بأن الإنسان الفلسطيني هو الثروة الحقيقية والأداة الأساسية لتحقيق التنمية الوطنية المستدامة ، ولذلك أولت اهتماماً كبيراً ببرامج بناء القدرات والتأهيل والتدريب. وعملت اللجنة على رفع كفاءة الكوادر المهنية والفنية العاملة في المؤسسات الوطنية المختلفة، من خلال تنظيم الدورات التدريبية وورش العمل والبرامج المتخصصة بالتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية . كما ساهمت   في دعم المؤسسات التعليمية والثقافية والعلمية، وتمكينها من الاستفادة من المنح والبرامج الدولية، بما انعكس إيجاباً على تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
المنح الدراسية وبناء الكفاءات الوطنية ..
يُعد ملف المنح الدراسية أحد أبرز قصص النجاح التي حققتها اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم خلال السنوات الماضية. ففي   ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه أبناء الشعب الفلسطيني، خصوصاً في مخيمات اللجوء  والشتات، نجحت اللجنة في تأمين فرص تعليمية نوعية لمئات الطلبة الفلسطينيين في عدد من الدول العربية والإسلامية.
وقد تم ابتعاث ما يقارب ألف طالبة وطالب من المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان والأردن ودول أخرى للدراسة في تخصصات حيوية تشمل الطب البشري وطب الأسنان والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والعلوم التطبيقية والتخصصات الأكاديمية المختلفة. وقد أسهمت هذه البرامج في إعداد كوادر وطنية مؤهلة قادرة على خدمة مجتمعها والمساهمة في بناء المؤسسات الفلسطينية وتعزيز التنمية الوطنية، كما شكلت جسراً للحفاظ على ارتباط أبناء الشتات بوطنهم وقضيتهم الوطنية.
دعم الطلبة الفلسطينيين في أوقات الأزمات ..
دور اللجنة لم يقتصر على توفير المنح الدراسيةإنما امتد ليشمل تقديم الدعم والإسناد للطلبة الفلسطينيين في الظروف الاستثنائية والأزمات الطارئة. وفي هذا السياق ، بذلت اللجنة جهوداً كبيرة لتوفير مساعدات مالية وإسناد أكاديمي للطلبة الفلسطينيين من قطاع غزة الدارسين في جمهورية مصر العربية  ، بما يساعدهم على مواصلة تعليمهم الجامعي في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني. وقد عكست هذه الجهود البعد الإنساني والوطني العميق لرسالة اللجنة، وحرصها على عدم حرمان أي طالب فلسطيني من حقه في التعليم بسبب الظروف السياسية أو الاقتصادية.
تمكين المرأة والطفل والفئات المجتمعية المختلفة ..
حرصت اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم على أن تكون برامجها ومبادراتها شاملة لكافة فئات المجتمع الفلسطيني. فقد أولت اهتماماً خاصاً بتمكين المرأة الفلسطينية وتعزيز دورها في التنمية الثقافية والعلمية والتربوية، إلى جانب دعم البرامج الموجهة للأطفال والشباب باعتبارهم صناع المستقبل. كما دعمت المبادرات المجتمعية الهادفة إلى تعزيز المشاركة الثقافية والعلمية، ونشر قيم الحوار والتسامح والابتكار والمواطنة الفاعلة.
الثقافة الفلسطينية... حماية للهوية والذاكرة ..
شكلت الثقافة الفلسطينية أحد المحاور الرئيسية لعمل اللجنة الوطنية طوال العقود الأربعة الماضية.
ففي ظل محاولات طمس الهوية الوطنية الفلسطينية وسرقة الموروث الثقافي والحضاري، عملت اللجنة على حماية التراث الفلسطيني وتوثيقه وتعزيز حضوره في المحافل الإقليمية والدولية.
وقد دعمت اللجنة عشرات المبادرات والمشاريع التي تعنى بالتراث والفنون والفلكلور والشعر والأدب والتوثيق التاريخي، وساهمت في توفير الدعم للمؤسسات الثقافية والحرفيين والباحثين والمبدعين الفلسطينيين. كما أسهمت في تعزيز الاقتصاد الثقافي من خلال دعم الحرف التقليدية وتشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها جزءاً مهماً من التنمية المستدامة.
إنجازات نوعية في تسجيل التراث الفلسطيني ..
شهدت السنوات الأخيرة تحقيق إنجازات مهمة في مجال حماية وتسجيل التراث الثقافي الفلسطيني على المستويين الإقليمي والدولي. وقد عملت اللجنة الوطنية بالتعاون مع وزارة الثقافة ووزارة السياحة والآثار والمؤسسات الوطنية والخبراء المختصين على إعداد وتطوير ملفات الترشيح الخاصة بالمواقع والعناصر التراثية الفلسطينية. ومن أبرز هذه الإنجازات  مؤخرا  اعتماد موقعي المعمودية "الشرائع" (المغطس) وسبسطية ضمن قوائم التراث المادي، إضافة إلى إدراج فن الحفر على الخشب والمعارف والمهارات المرتبطة به، وصناعة الزجاج الخليلي التقليدية، ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الإيسيسكو. وتشكل هذه الإنجازات محطة وطنية مهمة في مسار تثبيت الهوية الثقافية الفلسطينية وحماية التراث الوطني من محاولات التزوير والسرقة والاستيلاء. كما تسهم في تعزيز حضور التراث الفلسطيني في الأسواق الإقليمية والدولية، وفتح آفاق جديدة أمام الحرفيين والمبدعين، وضمان انتقال المهارات التراثية للأجيال القادمة.
العلاقات الدولية وتعزيز الحضور الفلسطيني ..
استطاعت اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات مع المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة. وقد لعبت هذه العلاقات دوراً محورياً في استقطاب الدعم الفني والمالي للمشاريع الوطنية، وتعزيز مكانة فلسطين في المنظمات الدولية، وتوسيع مجالات التعاون في قطاعات التربية والثقافة والعلوم. ويبرز في هذا السياق الإنجاز الذي حققته دولة فلسطين من خلال رئاستها للمجلس التنفيذي لمنظمة الإيسيسكو خلال الفترة 2021-2025، وهي فترة شهدت حضوراً فلسطينياً متميزاً ومؤثراً على المستوى الدولي. وقد أسهمت هذه الرئاسة في إبراز الكفاءات الفلسطينية وتعزيز التعاون مع الدول الأعضاء، والدفاع عن الحقوق الثقافية والتعليمية للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
التنمية المستدامة وبناء المؤسسات ..
ساهمت اللجنة الوطنية في تنفيذ العديد من المشاريع والبرامج التنموية الممولة من المنظمات الدولية والإقليمية، بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات الوطنية الشريكة. وهدفت هذه البرامج إلى تطوير المؤسسات التربوية والثقافية والعلمية، وتعزيز الابتكار والبحث العلمي، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتحسين جودة الخدمات  المقدمة للمواطنين.  كما دعمت اللجنة المبادرات التي تنسجم مع الأولويات الوطنية الفلسطينية وأهداف التنمية المستدامة، بما يعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية الشاملة.
التربية والثقافة والعلوم في مواجهة العدوان ..
تأتي الذكرى الواحد والأربعون   لتأسيس اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم في وقت يواجه فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في التاريخ المعاصر. فقد تعرض قطاع غزة لعدوان واسع النطاق استهدف الإنسان الفلسطيني ومؤسساته التعليمية والثقافية والعلمية، في محاولة للنيل من مقومات الصمود والبقاء والهوية الوطنية. ولم تقتصر الاعتداءات على استهداف المدنيين، إنما   طالت المدارس والجامعات والمكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية ودور العبادة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التعليم والثقافة والتراث الإنساني.
وفي هذا السياق، واصلت اللجنة الوطنية جهودها في نقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى المنظمات الدولية المتخصصة، والدفاع عن حق الفلسطينيين في التعليم والثقافة والمعرفة، والعمل على حشد الدعم الدولي لحماية المؤسسات التعليمية والثقافية الفلسطينية.
كما تابعت اللجنة بقلق بالغ السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض السيطرة على المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية في الضفة الغربية، بما يشمل أعمال التنقيب وإدارة المواقع التراثية والاستيلاء على الأراضي المرتبطة بها، في مخالفة واضحة للقانون الدولي واتفاقيات حماية التراث الثقافي.
نحو المستقبل ..
بعد أربعين عاماً من العمل الوطني المتواصل، تواصل اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم أداء رسالتها بثقة وإصرار، مستندة إلى إرث غني من الإنجازات والعلاقات والشراكات والخبرات المتراكمة. وتتطلع اللجنة إلى توسيع برامجها ومشاريعها المستقبلية في مجالات التعليم الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، والابتكار، والصناعات الثقافية والإبداعية، وتمكين الشباب والمرأة، وتعزيز حماية التراث الثقافي الفلسطيني. كما ستواصل العمل على تسجيل المزيد من عناصر التراث الفلسطيني في القوائم الإقليمية والدولية، وتعزيز حضور فلسطين في المنظمات والمحافل الدولية، وتوفير المزيد من فرص التعليم والتدريب للشباب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ختاما :
واحد وأربعون عاما من العمل والعطاء والإنجاز، وواحد وأربعون عاما من الدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية وتعزيز حضور فلسطين في العالم، وبناء الإنسان الفلسطيني القادر على حمل رسالة وطنه إلى المستقبل وستبقى اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم نموذجا وطنيا رائدا، ومنارة للمعرفة والثقافة والإبداع، وشاهدا حيا على قدرة الشعب الفلسطيني على صناعة الأمل والإنجاز رغم كل التحديات المجد لفلسطين، والوفاء لكل من أسهم في هذه المسيرة المباركة.ونتمنى أن يستمر هذا العهد، وأن تبقى التربية والثقافة والعلوم جسورا نحو الحرية والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.