القدس-خاص ب"واثق نيوز"-لم تعد المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في محيط القدس تقتصر على إقامة مستوطنات جديدة أو توسيع القائم منها، بل انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في إنشاء البؤر الاستيطانية الرعوية، والاستيلاء التدريجي على الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وفرض وقائع ميدانية جديدة بقوة الجيش والمستوطنين، في إطار مشروع متكامل يهدف إلى تطويق القدس الشرقية بالكامل، وفصلها عن امتدادها الفلسطيني الطبيعي في الضفة الغربية.
وقال تقرير أعده مسؤول ملف الاعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس الصحفي واصل الخطيب ،ان القرى الشرقية والشمالية الشرقية للقدس، وفي مقدمتها عناتا، جبع، حزما، وقلنديا، تشهد تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الاستيطان، يترافق مع عمليات مصادرة للأراضي، وتقييد لحركة الفلسطينيين، وتكثيف للوجود العسكري، بما يخدم تنفيذ المخطط الاستيطاني المعروف باسم "E1"، الذي يعد أخطر المشاريع الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للقدس المحتلة.
عناتا... استهداف الأرض والمياه والزراعة ..
تعد بلدة عناتا المقدسية ،واحدة من أكثر البلدات الفلسطينية تعرضاً للاستهداف الإسرائيلي، نظراً لموقعها الاستراتيجي شرق القدس، حيث تشكل بوابة الوصول بين المدينة ومنطقة الأغوار.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت محاولات المستوطنين لإقامة بؤر استيطانية رعوية في محيط البلدة، خصوصاً في المناطق الشرقية والشمالية، حيث يجري الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بحجة الرعي، ثم تحويلها تدريجياً إلى بؤر استيطانية دائمة.
ولا يقتصر الاستهداف على الأرض فحسب، بل يمتد الى السيطرة على الينابيع ومصادر المياه ، منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم ، تخريب المزروعات الموسمية، وإطلاق قطعان المستوطنين داخل الأراضي الزراعية لإتلاف المحاصيل وفرض مناطق عسكرية مغلقة لمنع الفلسطينيين من استغلال أراضيهم.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن السيطرة على المياه تشكل أحد أهم أهداف المشروع الاستيطاني، باعتبارها أداة لإفراغ الأرض من أصحابها الأصليين ودفعهم إلى الرحيل القسري.
جبع... البؤر الرعوية تتحول إلى مستوطنات ..
الى ذلك،تعاني بلدة جبع الواقعة شمال شرق القدس المحتلة، من توسع متسارع للبؤر الاستيطانية الرعوية التي أصبحت تشكل نموذجاً جديداً للاستيطان الإسرائيلي. وقد اقام المستوطنون يوم الاثنين 6-7-2026 بؤرة رعوية جديدة على اراضي بدوية تستخدم للرعي في عملية تهدف الى تهجيرهم .
وتبدأ هذه البؤر عادة بخيمة أو حظيرة أغنام، يعقبها وصول مولدات كهرباء وخزانات مياه وشق طرق ترابية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى تجمعات استيطانية كاملة تحظى بحماية الجيش الإسرائيلي.
وترافق ذلك مع منع الرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى المراعي ، والاعتداءات اليومية على المزارعين ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي وربط هذه البؤر بالمستوطنات الكبرى المحيطة.
وتسعى هذه السياسة الاسرائيلية الرسمية ، إلى خلق تواصل استيطاني مترابط بين المستوطنات المقامة شرق القدس وشمالها.
حزما... حصار عسكري دائم ..
في السياق ذاته، تحولت بلدة حزما المقدسية، خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج للحصار العسكري الإسرائيلي.
فالبلدة الواقعة على المدخل الشمالي الشرقي للقدس تتعرض بشكل متكرر إلى إغلاقات عسكرية واقامة حواجز مفاجئة اضافة الى نصب بوابة حديدة دائمة يتحكم الجنود بفتحها واغلاقها متى يشاؤون ناهيكم عن الاقتحامات الليلية والاعتقالات الواسعة للشبان واليافعين وتقييد حركة السكان.
ويهدف هذا الواقع إلى تحويل البلدة إلى منطقة معزولة عن محيطها الفلسطيني، بما يسهل دمج الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس داخل المنظومة الإسرائيليةن تماما كما جرى مع محافظة بيت لحم التي تم عزلها كليا عن توأمها مدينة القدس .
كما يستخدم الجيش الإسرائيلي الإجراءات "الأمنية" المزعومة، كوسيلة لإعادة هندسة المجال الجغرافي، بما يخدم التوسع الاستيطاني المستقبلي.
قلنديا... تهويد الرواية التاريخية ..
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وثقافية، قامت السلطات الإسرائيلية برئاسة نتنياهو بتدشين ما يسمى بـ"مركز التراث اليهودي" في منطقة قلنديا وعلى ارض المطار تحديدا ، في إطار سياسة تهدف إلى إعادة صياغة الرواية التاريخية للمكان.
ويشكل هذا المشروع التهويدي جزءاً من سياسة أوسع تقوم على تكريس الوجود اليهودي في المناطق المحيطة بالقدس وإنتاج رواية تاريخية بديلة واستقطاب الزوار الإسرائيليين وتعزيز السيطرة الإدارية والثقافية على المنطقة. وفق مراقبين ومحللين عديدين .
ويرى هؤلاء المراقبون أن هذه المشاريع لا تنفصل عن المخطط الاستيطاني الأشمل، بل تمثل أحد أدواته الناعمة إلى جانب الاستيطان العسكري والميداني.
(E1)... قلب المشروع الاستيطاني ..
يمثل مشروع E1 الحلقة المركزية في السياسة الاستيطانية الإسرائيلية شرق القدس. ويقع المشروع بين مستوطنة "معاليه أدوميم" والقدس المحتلة، ويهدف إلى إنشاء تواصل عمراني واستيطاني كامل بينهما.
وتتمثل أبرز أهداف المشروع في فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن امتدادها الفلسطيني وربط الكتل الاستيطانية الكبرى بمدينة القدس ومنع أي توسع عمراني فلسطيني شرق القدس وإحكام السيطرة على الممر المؤدي إلى الأغوار.
وتخدم البؤر الاستيطانية المنتشرة في عناتا وجبع وحزما هذا المشروع بصورة مباشرة، إذ تشكل أحزمة استيطانية تمهد لتنفيذه على الأرض.
البؤر الرعوية... أداة الضم الجديدة ..
خلافاً للمستوطنات التقليدية، تعتمد إسرائيل اليوم بصورة متزايدة على البؤر الرعوية باعتبارها وسيلة منخفضة الكلفة وسريعة التوسع. وتقوم هذه السياسة على السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي وتهجير التجمعات البدوية ومنع الزراعة الفلسطينية وفرض أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن هذه البؤر أصبحت تستولي على مساحات تفوق في بعض المناطق مساحة المستوطنات القائمة نفسها.
انعكاسات المشروع على حل الدولتين ..
اذا نظرنا الى كل ما ذكر، فإن مجمل هذه المشاريع لا يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات منفصلة، بل تمثل أجزاء من رؤية إسرائيلية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقدس والضفة الغربية.
ومن أبرز نتائجها : القضاء على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وتكريس الضم الزاحف لأجزاء واسعة من الضفة الغربية وتعميق الفصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية وعزل القدس الشرقية عن محيطها الوطني وتفتيت التجمعات الفلسطينية إلى جيوب منفصلة وفرض واقع يجعل أي مفاوضات مستقبلية تدور حول وقائع فرضت بالقوة.
الضم الزاحف...
ورغم أن الحكومة الإسرائيلية لم تعلن رسمياً ضم هذه المناطق، إلا أن ما يجري ميدانياً يعكس سياسة "الضم الزاحف"، من خلال توسيع المستوطنات وإنشاء البؤر الرعوية وشق الطرق الالتفافية والسيطرة على الموارد الطبيعية وتكثيف الوجود العسكري وفرض القوانين والإجراءات الإسرائيلية بصورة تدريجية، ليتحول بذلك الاحتلال المؤقت، وفق القانون الدولي، إلى سيطرة دائمة يصعب تغييرها.
وتكشف التطورات المتسارعة في عناتا، جبع، حزما وقلنديا عن أن الاستيطان الإسرائيلي لم يعد مجرد توسع عمراني، بل أصبح مشروعاً سياسياً وجغرافياً متكاملاً يستهدف إعادة رسم مستقبل القدس والضفة الغربية. فمن خلال البؤر الاستيطانية الرعوية، والسيطرة على مصادر المياه والأراضي الزراعية، وتشديد القبضة العسكرية، وإطلاق مشاريع ذات طابع ديني وتاريخي، تعمل إسرائيل على تثبيت وقائع جديدة على الأرض تخدم مشروع E1، الذي يمثل حجر الزاوية في مخطط فصل القدس عن محيطها الفلسطيني وربطها بالكتل الاستيطانية الكبرى.
وفي حال استمرار هذه السياسات، فإن فرص تطبيق حل الدولتين ستتآكل بصورة متسارعة، مقابل ترسيخ نظام يقوم على الضم التدريجي، والفصل الجغرافي، وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي بما يكرس السيطرة الإسرائيلية طويلة الأمد على القدس ومحيطها.

