آراء

عائد إلى غزة !

67 مشاهدة
عائد إلى غزة !

الكاتب : د.بسام سعيد
 
لم أخرج من غزة خلال الحرب، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ. بقيت في قطاع غزة طوال سنوات الحرب الثلاث ، لكن غزة المدينة، التي لا تبعد عن مكان سكني سوى نحو خمسة عشر كيلومترًا، لم أزرها منذ بداية الحرب، ولم أدخلها كمدينة طوال هذه المدة.
لا أعرف على وجه الدقة لماذا تجنبت الذهاب إليها. ربما كان الإحباط، وربما الخوف من الصدمة، وربما لأنني لم أكن مستعدًا نفسيًا لأن أرى غزة التي أعرفها وأحبها وقد تحولت إلى هذا المشهد القاسي. كنت أخشى أن أرى بأم عيني ما كنت أسمعه وأشاهده عبر الصور والشاشات؛ غزة ببيوتها وشوارعها وأسواقها ومبانيها وقد أصابها هذا الوجع الكارثي.
لكنني في النهاية لم أستطع مقاومة دعوة صديق لي على الذهاب إلى غزة، خصوصًا بعد أن توافرت وسيلة المواصلات الخاصة ،فالمواصلات العامة مرهقة وبدائية ومللت من ركوبها !
وهكذا عدت إلى غزة، بعد أكثر من ألف يوم من الحرب والحصار والدمار ، وكما يقولون: اللي بيشوف مش زي اللي بيسمع.
دخلت غزة، فإذا بها ليست غزة التي أعرفها. لا الشوارع هي الشوارع، ولا البيوت هي البيوت، ولا المحال التجارية التي كانت تضج بالحركة والناس ما زالت في أماكنها . تسير في طرق كانت ذات يوم عامرة، فلا تجد إلا الركام، والخيام المنصوبة على جنبات الطرق، ومياهًا آسنة، ووجوهًا تبحث عن أبسط مقومات الحياة.
قبل الحرب كانت غزة، رغم كل ما مرّت به من حروب وحصار، مدينة زاهرة وعامرة. كانت فيها روح، وكانت تنظر إلى المستقبل. كان الناس، كما نقول ، «شادّين حيلهم»؛ يعملون، ويفتحون محالهم، ويذهب أبناؤهم إلى المدارس والجامعات، ويجلسون في المقاهي، ويتسوقون، ويتبادلون الزيارات، ويحلمون بغد أفضل رغم كل شيء.
أما اليوم، فأنت تسير في الشوارع وترى وجوهًا عابسة، مثقلة بالتعب والحزن. الهمّ الأكبر عند معظم الناس أن يؤمّنوا قوت يومهم، أو يقضوا حاجة أساسية من حاجات الحياة. لا شيء تقريبًا يشبه البهجة التي كانت تسكن هذه المدينة.
وأحيانًا يخيل إليك أنك لا تمشي في مدينة، بل في خربة خرجت للتو من قلب التاريخ. تمرّ على بيت أو عمارة مدمرة، فتسأل نفسك: كم إنسانًا كان يعيش هنا؟ كم عائلة كانت تجتمع تحت هذا السقف؟ هل خرج أهل هذا البيت أحياء؟ أم أن بعضهم ما زال، حتى هذه اللحظة، تحت الأنقاض؟
تمرّ بجانب جامعة كانت يومًا تعج بالطلاب والطالبات، بالحركة والطموح والأحلام. تمرّ على مراكز ثقافية كانت تستقبل المثقفين وعشاق الأدب والفن والحياة. فلا ترى إلا الخراب والدمار.
هنا كانت مكتبة تبيع الكتب ، وهنا محل للحلويات كانت تفوح منه رائحة الفرح. وهناك محل للزهور والورود، يقصده العشاق والمحبون ، وهنا متجر للتحف والآثار ، وهناك مطعم شهير، ومقهى كان له ماضٍ جميل وذكريات لا تنسى.
حتى البحر، الذي كان دائمًا متنفس غزة ونافذتها المفتوحة على الحياة، بدا حزينًا كالحًا. اختبأ خجلا خلف مئات الخيام التي نُصبت على شاطئه، وعلى امتداد كورنيشه الذي كان يومًا بهيًا، عامرًا بالناس، وممشى لمحبي الرياضة والتنزه والعشاق. كان البحر في غزة مساحة للفرح والهروب من ضجيج الحياة، أما اليوم فتبدو حتى أمواجه وكأنها تحمل شيئًا من حزن المدينة ووجع أهلها.
وأسير قليلا فأرى برجًا عاليًا كنت  أطل منه ذات يوم محللًا سياسيًا واجتماعيًا  لقضايا الأسرة والتنمية لإحدى الفضائيات، أو متحدثًا عبر إذاعة نتواصل من خلالها مع المستمعين، ونناقش قضايا الناس وهمومهم ، أما البرج، فلم يعد موجودًا لم يبق منه إلا الحجارة والرمل،  توقفت طويلًا وأنا أنظر إلى المكان، وشعرت أنني لا أبحث عن مبنى فقط، بل أبحث عن جزء من ذاكرتي وذاكرة مدينة كاملة. فالأماكن ليست حجارة فحسب؛ إنها وجوه وأصوات وضحكات وذكريات وأيام عشناها وظننا أنها ستبقى معنا إلى الأبد.
هكذا رأيت غزة بعد أكثر من ألف يوم من الحرب والحصار والدمار والقتل.
عدت إليها جسديًا، لكنني شعرت أنني أعود إلى مدينة أعرفها ولا أعرفها، إلى مكان يحمل ملامح غزة القديمة تحت طبقات هائلة من الركام.
ومع ذلك، وسط هذا الخراب كله، بقي شيء واحد لم تستطع الحرب أن تهدمه بالكامل: حب الانسان للحياة .
رأيت في عيون الناس تعبًا وحزنًا وانكسارًا، لكنني رأيت أيضًا إصرارًا غريبًا على البقاء وترميم مايمكن ترميمه ،  غزة اليوم ليست المدينة التي كانت، لكنها ليست مدينة ميتة. فالمدن قد تهدم بيوتها وشوارعها، وقد تفقد أسواقها وأبراجها ومؤسساتها، لكنها تستعيد نفسها حين يتمسك أهلها بالحياة والتوق للسلام والأمن والأمان، 
ربما لن تعود غزة كما كانت، وربما يحتاج ترميمها إلى سنوات طويلة، وربما ستبقى آثار هذه الحرب محفورة في المكان والناس والذاكرة. لكن غزة التي عرفناها لا يمكن أن تختصر في الركام. عائد إلى غزة، لا لأرى ما تهدّم فقط، بل لأبحث عن غزة التي ربما  ستنهض يوما ما  من بين الركام.

*أكاديمي وكاتب