تل ابيب-واثق نيوز-أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم، الأربعاء، أن الشرطة العسكرية للتحقيقات الجنائية ستحقق في حادثة مقتل 15 فلسطينياً، بينهم أفراد طواقم طبية وموظف في الأمم المتحدة في قطاع غزة في مارس/آذار 2025، وكذلك في مقتل الطفلة هند رجب في يناير/كانون الثاني 2024. وجاء القرار بعد تحقيقات أجراها الجيش في خمس حوادث خلال الحرب. وفق تقرير نشرته صحيفة هارتس العبرية اليوم الاربعاء .
أما الحوادث الثلاث الأخرى، فقد قرر الجيش عدم فتح تحقيق جنائي فيها، وهي: مقتل سبعة من موظفي المطبخ المركزي العالمي في دير البلح في أبريل/نيسان 2024، ومقتل اثنين من موظفي أطباء بلا حدود في خان يونس في فبراير/شباط 2024، ومقتل موظفين آخرين من المنظمة في مدينة غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وبحسب بيان الجيش، فإن آلية التحقيق التابعة لهيئة الأركان العامة، التي أنشئت قبل سنوات بموجب قرار حكومي، أنهت منذ اندلاع الحرب التحقيق في نحو 150 حادثة، وأحالت نتائجها إلى النيابة العسكرية لفحصها.
انتقادات داخل الجيش للتحقيقات الميدانية ..
انتقدت مصادر رفيعة في الجيش الإسرائيلي مستوى بعض التحقيقات العملياتية التي أجرتها الوحدات بعد حوادث استثنائية خلال القتال في غزة. وقالت إن بعض الحالات كشفت عن فجوات جوهرية بين الرواية التي قدمها الجنود والقادة المشاركون وبين النتائج التي توصلت إليها آلية التحقيق التابعة لهيئة الأركان.
وأضافت المصادر أنه إذا تبيّن أن جنوداً أو قادة قدموا عمداً معلومات كاذبة خلال التحقيق بهدف إبعاد المسؤولية عن أنفسهم أو التأثير في نتائجه، فقد يُفتح تحقيق جنائي أيضاً في طريقة إجراء التحقيق نفسه.
وفي ظل الانتقادات السياسية والجماهيرية للتحقيق مع الجنود، حذرت مصادر في الجهاز القضائي من أن المس باستقلالية ومصداقية أجهزة التحقيق الإسرائيلية قد يؤدي في النهاية إلى الإضرار بالجنود والقادة أنفسهم. وأوضحت أن إضعاف قدرة إسرائيل على الاستناد إلى مبدأ التكامل، الذي يقضي بعدم تدخل المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عندما تجري الدولة بنفسها تحقيقاً جنائياً مستقلاً وحقيقياً، قد يزيد من تعرض العسكريين الإسرائيليين لإجراءات قضائية في الخارج، كما قد يضر بالتعاون الأمني مع دول أخرى.
وفي المقابل، شددت مصادر قانونية رفيعة على أن ليس كل خطأ عملياتي يستوجب تحقيقاً جنائياً؛ إذ يمكن معالجة أخطاء التقدير والمخالفات الانضباطية والإخفاقات التي ارتُكبت بحسن نية أثناء القتال على المستوى القيادي. لكن عندما تنشأ شبهة معقولة بسوء النية أو بارتكاب جريمة، فلا يمكن الاكتفاء بتحقيق عملياتي.
مقتل المسعفين والطواقم الطبية في رفح ..
بحسب رواية الجيش، نصبت قواته كميناً لعناصر من حماس في تل السلطان في رفح، وأطلق الجنود النار على مركبة اعتقدوا أنها تابعة للحركة. وبعد نحو ساعة، أُبلغت القوة عن خمس مركبات كانت تتقدم نحوها بسرعة كبيرة وتوقفت بالقرب منها. خرج ركاب المركبات بسرعة، فأطلق الجنود النار عليهم. وبعد نحو ربع ساعة أطلقت القوة النار على مركبة أخرى وصلت إلى المكان.
وتبين لاحقاً أن المركبات كانت سيارة إطفاء وسيارات إسعاف ومركبة فلسطينية تابعة للأمم المتحدة. وأسفرت الحادثة عن مقتل 15 فلسطينياً، بينهم أفراد طواقم طبية ومسعفون. ويدعي الجيش أن ستة من القتلى كانوا مرتبطين بحماس.
وجاء في بيان الجيش أيضاً أنه بعد إطلاق النار قررت القوة سحق المركبات وتغطية الجثث بشبكة حديدية.
وخلص التحقيق إلى أن إطلاق النار يثير شبهة معقولة بارتكاب مخالفة جنائية، ولذلك ستواصل الشرطة العسكرية التحقيق في الحادثة. كما أمر رئيس الأركان بتسجيل ملاحظة قيادية بحق قائد اللواء 14، وقرر أن ينهي نائب قائد وحدة الاستطلاع في لواء غولاني مهامه.
وكان التحقيق الذي نُشر في أبريل/نيسان 2025 قد أظهر أنه، رغم قول الجنود إنهم شعروا بـ”خطر فوري”، فإنهم لم يرصدوا أي أسلحة بحوزة عمال الإغاثة، حتى بعد إطلاق النار عليهم.
كما خلص التحقيق إلى أن العقيد طال ألكوبي، قائد اللواء 14 الذي كانت القوة تعمل في إطاره، قصّر في إعداد القوة للمهمة، ولذلك تقرر تسجيل ملاحظة قيادية في ملفه الشخصي. أما نائب قائد وحدة استطلاع غولاني، وهو ضابط احتياط قاد القوة المسؤولة عن الحادثة، فأنهى مهمته بسبب “مسؤوليته والتقرير الناقص وغير الدقيق الذي قدمه خلال التحقيق”.
وفي الشهر نفسه، عُثر على تسجيل مصور في هاتف أحد المسعفين الذي وُجدت جثته في القبر الجماعي لعمال الإغاثة. وأظهر الفيديو أن سيارات الإسعاف والإطفاء كانت تحمل علامات واضحة وأن أضواء الطوارئ كانت تعمل عندما أطلقت القوات الإسرائيلية النار عليها.
وكان الجيش الاسرائيلي قد قال في البداية إن قواته لم تهاجم سيارة إسعاف “بشكل عشوائي”، وإن عدة مركبات “رُصدت وهي تتقدم بصورة مشبوهة” نحو الجنود من دون أضواء أو إشارات طوارئ. وحصلت صحيفة نيويورك تايمز على الفيديو من دبلوماسي رفيع في الأمم المتحدة طلب عدم الكشف عن هويته، وتحققت الصحيفة من مكان وزمان التصوير. وبعد ضغوط دولية، أعلن الجيش في أبريل/نيسان فتح تحقيق رسمي.
ووفق ما نشرته صحيفة “هآرتس”، فإن قوة استطلاع غولاني كانت قد تلقت قبل الحادثة بقليل معلومات عن حركة مكثفة لسيارات الإسعاف على الطريق. ورغم ذلك، أطلقت النار عليها لمدة ثلاث دقائق ونصف متواصلة، بما في ذلك من مسافة قريبة جداً، وبدّلت مخازن الذخيرة مرات عديدة، رغم محاولات العاملين التعريف بأنفسهم.
كما أشارت المواد التي جُمعت بعد الحادثة إلى أن تصرف القوة لم يعرض الطواقم الطبية للخطر فقط، بل عرّض الجنود والقوات الإسرائيلية الأخرى في المنطقة للخطر أيضاً.
استشهاد هند رجب ..
بحسب الجيش الإسرائيلي، كانت المركبة التي تقل عائلة حمادة تتقدم نحو قوة إسرائيلية بينما كانت تسير بعكس اتجاه الإخلاء الذي أُعلن عنه مسبقاً لسكان المنطقة. أطلق الجنود النار على المركبة وقتلوا خمسة من ركابها، بينما بقيت هند رجب وابنة عمها ليان على قيد الحياة.
وفي الساعات التالية، جرى تنسيق وصول سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني مع الجيش لإجلاء المصابتين. لكن عندما وصلت سيارة الإسعاف، أطلقت القوة قذيفة عليها، ما أدى إلى مقتل المسعفين اللذين كانا بداخلها.
وأضاف الجيش أنه بعد عدة أيام انتُشلت جثث أفراد العائلة، ومن بينهم الطفلتان، وكذلك جثتا المسعفين. وقرر الجيش أن تواصل الشرطة العسكرية التحقيق في الحادثة.
وكانت هند قد انضمت إلى عمها بشار وزوجته إنعام وأطفالهما الخمسة: ليان وسناء ورغد ومحمد وسارة، في محاولة للفرار من منطقة خطرة في مدينة غزة.
وبعد نحو ساعة ونصف من انطلاقهم، تلقى مقر الهلال الأحمر في رام الله اتصالاً هاتفياً من ألمانيا. وكان المتصل أحد أقارب عائلة حمادة المقيمين في فرانكفورت، وأبلغهم بأن ليان اتصلت مذعورة بأحد أعمامها في رفح وقالت إن الجيش الإسرائيلي أطلق النار على السيارة، وإن والديها وثلاثاً من شقيقاتها وشقيقها قُتلوا، بينما كانت هي مصابة.
وأعطى القريب في ألمانيا الهلال الأحمر رقم هاتف ليان. واستمرت المكالمة معها نحو عشرين ثانية وتم تسجيلها. قالت للموظف: “إنهم يطلقون النار علينا، الدبابة بجانبي”.
فسألها الموظف إن كانوا مختبئين، فأجابت بأنهم داخل السيارة والدبابة إلى جوارهم. وعندما سألها إن كان الجميع في السيارة، سُمع فجأة وابل من الرصاص وصرخة، ثم انقطع الاتصال.
وتمكن الهلال الأحمر بعد ذلك من تحديد موقع السيارة والتحدث إلى هند. ووفقاً لصحيفة واشنطن بوست، تم ربط والدتها بالمكالمة أيضاً، وكانت آخر الكلمات المنسوبة إلى هند: “تعالوا وخذوني”.
وقرر الجيش الآن أن تواصل الشرطة العسكرية التحقيق في ملابسات الحادثة.
المطبخ المركزي العالمي: لن يُفتح تحقيق جنائي ..
قال الجيش إن منظمة المطبخ المركزي العالمي استعانت بقوة أمنية مسلحة لمرافقة قافلة مركبات خوفاً من استيلاء مسلحين على المساعدات، بعد تأخر خروج القافلة حتى ساعات الليل. ووفق الجيش، لم يتم تنسيق وجود قوة الحراسة معه.
وقدّر جنود في الميدان أن عناصر من حماس استولوا على المركبات، فهاجموا القافلة، ما أدى إلى مقتل سبعة من موظفي المنظمة.
ويقول الجيش إنه حاول قبل الهجوم الاتصال بممثلي المطبخ المركزي العالمي لكنه لم ينجح. وقرر الجيش عدم فتح تحقيق للشرطة العسكرية لأنه، بحسب قراره، لا توجد شبهة معقولة بارتكاب جريمة جنائية بالمستوى الذي يبرر التحقيق.
لكن ثلاثة مصادر في الجيش كانت قد قالت لـ”هآرتس” في أبريل/نيسان 2024 إن الحادثة وقعت نتيجة عدم انضباط قادة ميدانيين. كما وصف تحقيق الجيش نفسه الحادثة بأنها “خطأ خطير” ناجم عن “إخفاق خطير، نتيجة تشخيص خاطئ وخطأ في اتخاذ القرار وهجوم مخالف للأوامر وتعليمات إطلاق النار”.
حادثة أطباء بلا حدود في خان يونس ..
بحسب الجيش، اعتقدت قوة إسرائيلية أن مبنى يقع قرب مواقع تابعة لحماس يمكن أن يُستخدم لإطلاق النار على قوات تسير في طريق قريب. وقال الجيش إن أضواء المبنى كانت مطفأة ولم تُرصد حركة فيه أو حوله.
لذلك أطلقت القوة قذيفة على إحدى النوافذ التي اعتقد الجنود أنه يمكن استخدامها لمراقبة الطريق وإطلاق النار على القوات.
وكان على المبنى لافتة تحمل اسم وشعار منظمة أطباء بلا حدود، إلا أن الجيش يقول إن القوات لم تستطع رؤيتها لأنها كانت معلقة على الواجهة الأمامية، بينما كان الجنود يتحركون خلف المبنى.
وأسفر إطلاق النار عن مقتل موظفتين في أطباء بلا حدود وإصابة سبعة آخرين. وقرر الجيش عدم فتح تحقيق للشرطة العسكرية، لكن النيابة العسكرية أمرت بفحص الحاجة إلى اتخاذ إجراءات قيادية بحق المتورطين.
مقتل موظفين آخرين من أطباء بلا حدود بمدينة غزة ..
كانت قافلة تضم خمس مركبات تابعة لأطباء بلا حدود قد وصلت إلى نقطة تفتيش عسكرية بعد تنسيق وصولها مع الجيش الإسرائيلي.
وبحسب الجيش، وصل التصريح بمرور القافلة قبل وقت قصير من انطلاقها، ولذلك لم يكن قد نُقل بعد إلى القوة الموجودة عند الحاجز. وطُلب من أفراد القافلة الانتظار حتى تتضح المسألة، لكنهم خشوا عدم الوصول إلى وجهتهم قبل حلول الظلام، فقرروا العودة إلى مدينة غزة.
ويقول الجيش إنه حذرهم من أن العودة من دون تنسيق معتمد قد تعرضهم للخطر.
وعندما وصلت القافلة إلى مدينة غزة رصدتها قوة إسرائيلية. ووفق الجيش، أطلق الجنود النار على الطريق وليس مباشرة على القافلة بهدف إبعادها. وبعد استمرار المركبات في الحركة، اعتبرت القوة أنها تشكل “تهديداً حقيقياً” وأطلقت النار مجدداً على الطريق.
وقُتل اثنان من موظفي أطباء بلا حدود، ويقول الجيش الاسرائيلي إنه من المحتمل أنهما أصيبا بشظايا. وخلص الجيش إلى أنه لم يكن هناك إطلاق نار مباشر على القافلة، ولذلك لا توجد شبهة معقولة بارتكاب جريمة جنائية ولن يُفتح تحقيق للشرطة العسكرية.
وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد تقدمت في فبراير/شباط الماضي بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية مطالبة بالتحقيق في ست حوادث أطلقت فيها القوات الإسرائيلية النار على منشآت ومركبات للمنظمة، وأسفرت عن مقتل سبعة من موظفيها وأفراد عائلاتهم .

