محليات

الطيبة تحت النار.. نجاة الصحفي جريس عازر وعائلته تفتح ملف استهداف المسيحيين وعدوان المستوطنين شرق رام الله

64 مشاهدة
الطيبة تحت النار.. نجاة الصحفي جريس عازر وعائلته تفتح ملف استهداف المسيحيين وعدوان المستوطنين شرق رام الله

رام الله-تقرير : واثق نيوز-لم يكن الهجوم الذي تعرضت له بلدة الطيبة، الواقعة شرق رام الله، مجرد حادثة اعتداء عابرة على ممتلكات فلسطينية، بل جاء في سياق تصعيد متواصل يستهدف القرى والبلدات الفلسطينية في المنطقة، ويضع الوجود المسيحي الفلسطيني أمام تحديات متزايدة، في ظل توسع الاستيطان وتصاعد عنف المستوطنين وسياسات التضييق الإسرائيلية.

وكان الصحفي جريس عازر، برفقة زوجته وطفلهما البالغ من العمر عامين، قد نجوا من الموت خلال هجوم للمستوطنين على منزلهم في الطيبة، بعدما أضرم المهاجمون النار في مركبته القريبة من المنزل، ما أدى إلى تصاعد الدخان الكثيف داخل البيت وعرّض العائلة لخطر الاختناق. وكان عازر قد وصف لحظات الهجوم بأنها شهدت سماع أصوات انفجارات ورؤية وهج النيران بالقرب من المنزل، فيما أكد أن الخوف والقلق باتا يلازمان سكان البلدة منذ أشهر.

وتكتسب الحادثة أهمية مضاعفة كون الطيبة من آخر التجمعات الفلسطينية ذات الغالبية المسيحية في الضفة الغربية، فيما تشهد البلدة منذ فترة اعتداءات متكررة على السكان والممتلكات والأراضي الزراعية. وفي مايو/أيار الماضي، وثقت تقارير فلسطينية اعتداءات شملت تخريب الممتلكات وتدمير الأشجار ومحاصرة منازل المواطنين والاعتداء عليهم في منطقة الخلايفة شرق البلدة.

وفي يونيو/حزيران 2026، تصاعدت الاعتداءات مجدداً عندما أضرم مستوطنون النار في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في محيط الطيبة، وسط اتهامات محلية بأن هذه الاعتداءات تأتي ضمن نمط متصاعد من الضغط على سكان البلدة ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم.

شرق رام الله.. خريطة من الاعتداءات والاستيطان ..
ولا يمكن فصل ما جرى في الطيبة عن المشهد الأوسع في قرى وبلدات شرق رام الله، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة أمام اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي.

ففي دير جرير، بلغ التصعيد مستوى خطيراً في يوليو/تموز الماضي، عندما تعرضت البلدة لهجوم مسلح أسفر عن استشهاد مواطنين فلسطينيين، عودة عبد الرحيم عودة فراخنة، 53 عاماً، وأحمد عادل رشيد أبو مخو، 26 عاماً، وإصابة آخرين. وأفادت تقارير بأن الهجوم وقع في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين في المنطقة.

أما المغير، فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز البلدات التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين، شملت حرق الممتلكات والاعتداء على السكان والمزارعين واستهداف الأراضي الزراعية، فيما تظهر الشعارات والتهديدات التي تُترك في بعض مواقع الاعتداءات أن الهدف يتجاوز التخريب إلى بث الخوف ودفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم.

وفي سلواد، تتقاطع الاعتداءات الميدانية مع سياسة أوسع من مصادرة الأراضي وتوسيع السيطرة الاستيطانية. وقد شهدت البلدة على مدار سنوات أوامر إسرائيلية بمصادرة أراضٍ خاصة، فيما تستمر محاولات تكريس واقع استيطاني يطوق البلدات الفلسطينية ويحد من امتدادها الطبيعي.

وتشير المعطيات المتعلقة بدير جرير إلى أن سياسة السيطرة على الأرض لا تتم فقط من خلال إقامة المستوطنات، وإنما أيضاً عبر إنشاء مناطق عازلة وطرق أمنية حول المستوطنات القائمة. فقد صدرت أوامر بمصادرة أراضٍ من دير جرير وكفر مالك بذريعة إقامة منطقة عازلة حول مستوطنة «كوخاف هشاحر»، إضافة إلى مصادرة أراضٍ لإنشاء طريق أمني يخدم المستوطنة.

الاستيطان والعنف.. وجهان لسياسة واحدة ..
ويكشف المشهد في شرق رام الله عن ترابط واضح بين عنف المستوطنين ومشروع الاستيطان؛ فالهجوم على منزل أو حرق أرض زراعية لا يحدث بمعزل عن محاولة فرض أمر واقع جديد على الأرض.

فالاعتداءات المتكررة تدفع المزارع إلى الابتعاد عن أرضه، وتضع العائلات أمام مخاطر يومية، بينما تتحول الأراضي التي يصعب الوصول إليها أو حمايتها إلى مساحة قابلة للمصادرة أو السيطرة عليها تدريجياً.

وهكذا يصبح المستوطن المسلح، في كثير من الحالات، جزءاً من منظومة ضغط أوسع تتكامل مع الحواجز والأوامر العسكرية ومصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات والطرق الالتفافية.

الطيبة.. استهداف المكان والهوية ..
ما يجعل الاعتداء على الطيبة أكثر خطورة هو أنه يطال بلدة ذات حضور مسيحي فلسطيني تاريخي، ويأتي في وقت يتراجع فيه عدد المسيحيين الفلسطينيين بفعل عوامل عديدة، من بينها الهجرة، والأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة، والاحتلال والاستيطان والقيود على الحركة، إضافة إلى آثار الحرب المستمرة.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن عدد المسيحيين الفلسطينيين في الضفة الغربية يبلغ نحو 45 ألفاً، في حين كان قطاع غزة يضم قبل حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو ألف مسيحي، وهو رقم تراجع بشدة بفعل الحرب والتهجير والظروف الإنسانية القاسية.

كما أظهرت دراسات سابقة أن الهجرة، وخصوصاً بين الشباب، تعد من أبرز أسباب تراجع أعداد المسيحيين الفلسطينيين.

ومن هنا، فإن الاعتداء على الطيبة لا يمكن النظر إليه باعتباره اعتداءً على مجموعة من المنازل أو المركبات فقط؛ فهو يمس أحد مكونات النسيج الفلسطيني التاريخي، ويهدد استمرار مجتمع مسيحي متجذر في أرض فلسطين منذ قرون.

الحرب تضاعف الضغوط ..
وقد جاءت الحرب المستمرة منذ عام 2023 لتضيف حالة جديدة من الضغوط على الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، من خلال تراجع الحركة السياحية، وتدهور الاقتصاد، وتشديد القيود على التنقل، وتراجع فرص العمل، وتزايد المخاوف الأمنية.

وفي الطيبة تحديداً، تحدث رجال دين ومسؤولون محليون عن ظروف اقتصادية وحياتية صعبة واعتداءات متكررة منذ اندلاع الحرب على غزة، معتبرين أن استمرار هذه الظروف يهدد قدرة السكان على البقاء والاستمرار في البلدة.

وفي تطور يعكس حجم الأزمة، أغلقت السلطات الإسرائيلية في أغسطس/آب 2026 البلدة أمام غير المقيمين، في إجراء قالت إنه جاء على خلفية هجمات عنيفة نفذها إسرائيليون في المنطقة، بينما وصفت الطيبة بأنها واحدة من آخر القرى المسيحية المتبقية في الضفة الغربية.

جريس عازر.. عائلة نجت، لكن الخطر لم ينتهِ ..
نجاة جريس عازر وزوجته وطفلهما من الاختناق داخل منزلهم ليست نهاية القصة، بل صورة مكثفة لما يعيشه سكان القرى الفلسطينية الواقعة على تماس مباشر مع المستوطنات.

فالعائلة التي كان يمكن أن تستيقظ على خبر عادي عن يوم جديد، وجدت نفسها في منتصف الليل أمام نيران تشتعل على بعد أمتار من منزلها ودخان يهدد حياة طفل صغير.

وفي دير جرير، لم تكن النتيجة نجاة عائلة؛ فقد انتهى هجوم المستوطنين بمقتل فلسطينيين. وفي المغير وسلواد والطيبة وغيرها، يتكرر المشهد بأشكال مختلفة: اعتداء، حرق، تهديد، مصادرة أرض، منع من الوصول إلى الحقول، ثم توسع استيطاني.

وهنا تكمن خطورة ما يجري في شرق رام الله: فهي ليست حوادث منفصلة، وإنما نمط متواصل من الضغط على الفلسطينيين، يستهدف الإنسان والأرض معاً.

وبينما تكافح الطيبة للحفاظ على وجودها المسيحي الفلسطيني، تكافح المغير ودير جرير وسلواد وغيرها للحفاظ على أراضيها وحق سكانها في البقاء عليها. وفي الحالتين، يبقى السؤال الأكبر أمام المجتمع الدولي: إلى متى يمكن السماح بتحويل الاعتداءات اليومية والاستيطان ومصادرة الأراضي إلى واقع دائم على الأرض؟

فنجاة جريس عازر وعائلته يجب ألا تُقرأ باعتبارها قصة نجاة فردية فحسب، بل باعتبارها جرس إنذار بشأن قرى فلسطينية بأكملها تعيش تحت تهديد النار والاستيطان والاقتلاع، وبشأن الوجود المسيحي الفلسطيني الذي يتقلص عاماً بعد عام، فيما تستمر الضغوط التي تجعل البقاء في الأرض أكثر صعوبة.