القدس-واثق نيوز-قالت منظمة "بيتسيلم" الحقوقية الاسرائيلية، ان سلطات الاحتلال تشنّ منذ تشرين الأوّل 2023، عُدواناً شاملاً على مُجمل مقوّمات حياة السكّان الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة. وفي إطار هذا العدوان، يجري انتهاك منهجي وواسع النطاق لحقوق الإنسان الخاصة بالسكان الفلسطينيّين، وعلى رأسها الحقّ الأساس الأوّل - الحقّ في الحياة. واضاف التقرير : لقد أدّى العُنف الفتّاك والمُنفلت الذي تمارسه القوّات المسلّحة التابعة للنظام الإسرائيليّ، والتي تشمل الجيش وميليشيات المستوطنين، إلى ارتفاع غير مسبوق في قتل الفلسطينيّين وخاصّة في قتل الأطفال والفتيان على هذه القوّات. وخلال سنتين وثمانية أشهر مضت منذ 7 تشرين الأوّل 2023 وحتى 7.6.26 قتلت قوّات إسرائيليّة 235 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة، و5 آخرين قُتلوا بأيدي مستوطنين. وخلال العام 2025 وحده، وهو الفترة التي تركّز عليها هذه الدّراسة، قتلت القوّات الإسرائيليّة 54 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة .
وجاء في التقرير : هذا النطاق غير المسبوق في قتل الأطفال والفتيان الفلسطينيّين على أيدي قوّات إسرائيليّة هو نتيجة لسياسة إطلاق النار المطبّقة اليوم في الضفة الغربيّة، وهي سياسة أكثر انفلاتًا وتساهلًا حتّى ممّا كانت عليه في الماضي. ولا يحاول المسؤولون عن هذه السياسة إخفاءها، بل يمنحونها الدّعم المُؤسّساتي الكامل، وهو ما تشهد عليه أقوال قائد المنطقة العسكرية الوُسطى، آفي بلوط، الذي خرج يتبجح علانية بالقول "نحن نقتل كما لم نقتل منذ 1967". وتدل تصريحات بلوط، الذي ادعى بأنّ "96% من القتلى ضالعون في أعمال إرهابيّة"، وهو ادّعاء تكشف معطيات بتسيلم حول ملابسات قتلهم أنّه محض كذب، على منهجيّة الأجهزة الإسرائيليّة في وسْم الفلسطينيّين الذين تقتلهم القوّات الإسرائيليّة بـ "مخرّبين" أو "ناشطين إرهابيّين"، حتى لو كانوا مدنيّين لم يشاركوا في القتال، بل وحتى حين يكون الضحايا أطفالًا لم يشكّلوا خطراً على أحد. ذلك أن تعريفهم بهذا الشكل يوفر حصانة مؤسّسيّة للقتل، فعليًا على أرض الواقع.
ولا تكتفي المنظومة الإسرائيلية بتبرير القتل بأثر رجعيّ فقط، بل هي تمتنع أيضًا، امتناعًا تامًا، عن تقديم المسؤولين إلى المحاكمة. وتفيد معطيات منظمة "يش دين" بأنه لم يُعرَف عن تقديم أية لوائح اتهام في حالات القتل التي وقعت في الضفة الغربية منذ بدء الحرب في تشرين الأول 2023، غير أنّ الحصانة المضمونة سلفاً وإفلات المتورّطين في تنفيذ هذه الجرائم من واجب الخضوع للمُساءلة والمُحاسبة ليست محصورة في الجانب القضائيّ وحده، بل تتجسد أيضًا في "الحصانة الجماهيرية" التي يحظى بها منفذو هذه الجرائم وتنبع من اللامبالاة التي يبديها الجمهور الإسرائيليّ حيال قتل الأطفال الفلسطينيّين. وفي هذا السّياق، لا يمكن الفصل بين الارتفاع الحادّ في حالات قتل الأطفال في الضفة الغربيّة بأيدي قوّات إسرائيليّة ومقتل أكثر من 21,000 طفل وطفلة فلسطينيّين قتلتهم إسرائيل ضمن حرب الإبادة الجماعية التي تنفذها في قطاع غزّة منذ تشرين الأوّل 2023. وحقيقة أنه حتى هذه الأعداد الهائلة لم تُثِر مطالبة لدى الرّأي العامّ الإسرائيليّ بتغيير سياسة القتل هذه، تدلّ على عُمق عمليّات تجريد الإنسان الفلسطينيّ، أيّ فلسطينيّ، من إنسانيته في أوساط الرأي العام الإسرائيلي. هذه هي العمليّات التي تتيح نشوء واقع يُصبح فيه قتل الأطفال أمراً عاديّاً وروتينيّاً.
واضاف التقرير : نطاق القتل الذي نشهده منذ بداية الحرب في تشرين الأول 2023 يذكّرنا بنطاق القتل الذي جرى توثيقه خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بل يفوقه، بالمقارنة مع طول الفترة الزمنية. فآنذاك، خلال أقلّ من أربع سنوات ونصف السنة، الفترة ما بين تشرين الأوّل 2000 و8.2.2005 (تاريخ التوقيع على اتفاقيّات شرم الشيخ التي تُعتبر نقطة النهاية الرسميّة لفترة الانتفاضة)، قتلت قوّات إسرائيليّة 251 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة. كما قُتل، خلال الفترة نفسها، خمسة آخرون بأيدي مستوطنين.
وتركّز هذه الدراسة على العام 2025، الذي قتلت إسرائيل خلاله 54 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة. للمقارنة: منذ انتهاء الانتفاضة الثانية في 9.2.2005 وحتى نهاية العام 2021 ـ أي، على امتداد نحو 17 عاماً ـ قتلت قوّات إسرائيليّة 194 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة؛ كما قُتل عشرة آخرون بأيدي مواطنين إسرائيليّين، إضافة إلى اثنين آخرين لم تتمكّن بتسيلم من تحديد مَن قتلهما، جنود أم مواطنون. وخلال العامين 2023 و2024، سُجّلت ذروة غير مسبوقة في قتل الأطفال والفتيان: في العام 2023 قُتل 120 طفلاً وفتىً، 80 منهم خلال أقلّ من ثلاثة أشهر، منذ 7.10.23 وحتى نهاية تلك السّنة. وفي العام 2024 قُتل 89 طفلاً وفتىً.
ورغم الهبوط في عدد الأطفال والفتيان الذين قتلتهم إسرائيل في العام 2025، مقارنة مع العامين السّابقين له، كان هذا العام (2025) أحد الأعوام الأكثر دمويّة على امتداد العقدين الماضيين. فبالمقارنة مع الفترة من 2005 حتى 2021، التي قُتل خلالها 13 طفلًا وفتًى فلسطينيًا بالمتوسط خلال السنة الواحدة، بأيدي جنود ومواطنين إسرائيليين، حصل خلال العام 2025 ارتفاع بأكثر من أربعة أضعاف، إذ قُتل خلاله 3 أطفال في سنّ بين 2-9 سنوات، وقُتل 9 أطفال في سنّ 10-13، و17 فتىً في سنّ 14-15، و16 فتىً في سنّ 16 و9 فتيان في سنّ 17.
يشار الى ان هذا الارتفاع الحاد في حالات قتل الأطفال والفتيان بدأ في العام 2022. في ذلك العام، بلغ عدد القتلى أكثر من ضعفيّ عددهم في العام الذي سبقه: من 16 في العام 2021 إلى 34 في العام 2022. حدث هذا الارتفاع قريبًا من موعد نشر تقرير عن تسهيلات في تعليمات الجيش لإطلاق النار في نهاية العام 2021. وفقاً لذاك التقرير، سُمح للجنود، ضمن ما سُمح لهم، بإطلاق النيران الفتّاكة (أي بهدف القتل) نحو راشقي الحجارة، وهو الأمر الذي كانت التعليمات تحظره قبل ذلك. وسمحت التعليمات الجديدة أيضًا بإطلاق النيران الفتّاكة على من يلوذ بالفرار بعد الاشتباه بأنّه قام برشق حجارة لكنه لم يعد يشكل خطرًا ـ وهو أمر مخالف للقانون الدوليّ. بعد 7.10.2023 سُجّل تطرّف إضافيّ آخر في سياسة إطلاق النار، نجم عنه كما ذُكر أعلاه ارتفاع حادّ إضافيّ في عدد القتلى. حصل هذا التطرّف على خلفيّة الرغبة في الانتقام وتعميق نزع إنسانية الفلسطينيّين في الخطاب الإسرائيليّ وفي المجتمع الإسرائيليّ (أنظروا القسم تحت عنوان "التحريض على الإبادة الجماعية ونزع الصفات الإنسانيّة منذ تشرين الأوّل 2023"، في تقرير إبادتنا، تمّوز 2025).
ومنذ بداية شهر كانون الثاني 2026 وحتى يوم 7.6.26، قتلت القوّات الإسرائيليّة 12 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة - بضمنهم شقيقان في سنّ 5 و6 سنوات في بلدة طمّون، وطفل رضيع في سنّ 7 أشهُر في مدينة الخليل، قتلتهم قوّات إسرائيليّة أطلقت النيران في الحالتين على السيّارتين اللتين كانت العائلتان تستقلهما. إضافة إلى ذلك، أطلق مستوطن النار على فتىً في الـ14 عمره وقتله.
ويبيّن تحليل وتوزيع الملابسات التي قتلت فيها قوات إسرائيلية جميع أولئك الأطفال والفتيان أنّ اثنين فقط من بين القتلى الـ 54 في العام 2025 كانوا مسلّحين بسلاح ناريّ عندما قُتلا. أربعة آخرون ألقوا عُبوات متفجّرة بدائيّة الصّنع نحو قوّات إسرائيليّة، وفتىً واحدا هاجم شرطيّاً بسكّين. وقتلت نيران القوّات 13 طفلاً وفتًى بينما كانوا يرشقون حجارة نحو شوارع أو نحو قوّات محصّنة جيّداً، من دون أن ترد أنباء عن وقوع أيّة إصابات بينها. في المقابل، كان هنالك 21 طفلاً وفتًى قتلتهم القوّات بينما لم يُشاركوا في أيّة مواجهات حتى عندما اندلعت في مُحطيهم مواجهات تخلّلها رشق حجارة أو إلقاء عبوات متفجرة أو إطلاق رصاص حيّ. وفي 12 حالة أخرى قُتل فيها أطفال وفتيان، زعم الجيش الإسرائيليّ أنّهم حاولوا المسّ بالقوّات بواسطة إلقاء زجاجات حارقة أو عُبوات متفجّرة أو رشق حجارة، إلا أنّّ المعلومات التي جمعتها بتسيلم لم تمكِّن من دحض هذه الادّعاءات أو تأكيدها. وهناك فتىً واحد آخر كان هدفًا لعمليّة اغتيال. وقُتل 47 من الفتيان والأطفال جرّاء إطلاق رصاص حيّ، بينما قُتل الآخرون ـ سبعة أطفال وفتيان - نتيجة قصف جوّي.
ومن بين الضحايا، هناك 11 طفلاً وفتىً قُتلوا بنيران أطلقت من كمائن: اثنان بينما كانا يرشقان حجارة نحو شارع؛ اثنان آخران زعم الجيش أنّهما رشقا حجارة لكنّ التحقيق الذي أجرته بتسيلم لم يُسفر عن نتيجة قاطعة تدحض هذا الادّعاء أو تؤكّده؛ فتىً واحد قُتل جرّاء إطلاق النار عليه حين مرّ قرب مكان كان الجنود ينصبون فيه كمينًا ورغم أنه لم يفعل أي شيء؛ وستّة آخرون قُتلوا بعد أن ألقوا، وفقاً لادّعاءات الجيش، زجاجات حارقة. وفي هذه الحالات أيضًا، لم يُسفر تحقيق بتسيلم عن نتيجة قاطعة تؤكّد هذه الادّعاءات أو تدحضها.
وقُتل تسعة قاصرين آخرين، بضمنهم طفلتان، خلال مداهمات نفذها الجيش لبلدات فلسطينيّة. خلال تلك المداهمات، لم تنفَّذ أيّة اعتقالات ولم تندلع أيّة مواجهات. طفلة واحدة قُتلت وهي في داخل منزلها، بينما قُتل طفلان قرب منزليهما، وأربعة آخرون كانوا عابري سبيل، وواحد آخر في مكان عمله، والأخير زعم الجيش أنّه حاول إلقاء عُبوة. ولم يُسفر تحقيق بتسيلم عن نتيجة قاطعة تؤكّد هذا الادّعاء أو تدحضه.
وقُتل أربعة قاصرين خلال عمليّات اعتقال. كان أحدهم هو المطلوب، فيما شارك آخر في تبادل لإطلاق النار خلال العمليّة، ورشق الثالث حجارة نحو مركبة "جيب" عسكريّة وكان الرّابع عابر سبيل.
وقُتل سبعة قاصرين جرّاء قصف جوّي، بضمنهم واحد زرع عبوة متفجّرة، اثنان "تم التعرف عليهما"، خطأ، أنّهما قاما بزرع عُبوة متفجّرة، وأربعة كانوا في ساحة منزلهم أو في الشارع.
وقُتل فَتَيان آخران بعد أن هاجما قوّات إسرائيليّة أو اشتُبه بأنّهما فعلا ذلك. أحد الفتيين هاجم شرطيّاً بسكّين، بينما ادعى الجيش بأن الفتى الثاني حاول دَهْس جنديّ، إلا أنّ تحقيق بتسيلم بَيّن أنّ هذا الادّعاء لا ينسجم مع وقائع الحادثة.
وقُتل 18 طفلاً وفتىً آخرين خلال مُواجهات، 12 منهم في مواجهات تخلّلها رشق حجارة فقط: ثمانية من هؤلاء رشقوا حجارة نحو قوات جيش أو شرطة، وبضمنهم أربعة رشقوا حجارة نحو مركبات عسكريّة محصّنة، اثنان رشقا حجارة نحو منازل اقتحمها جنود واثنان آخران رشقا حجارة نحو جنود أو عناصر شرطة - في إحدى هاتين الحالتين، استهدف رشق الحجارة في البداية مركبة "جيب" محصّنة ثم استمرّ أيضًا بعد خروج الجنود منها. ثلاثة من الفتيان لم يشاركوا في أية مُواجهات وبالنسبة لفتىً آخر، ليس مؤكّداً إن كان قد شارك في مواجهات أم لا. وقُتل ستّة قاصرين آخرين أثناء مواجهات تخلّلها أيضًا إلقاء عُبوات أو إطلاق رصاص حيّ: أحدهم شارك في تبادل إطلاق النار، ثلاثة ألقوا عُبوات، واحد لم يشارك في المُواجهات وفتى آخر صوّب قلم "ليزر" نحو جنود.
يشار الى ان القاصرين الثلاثة المتبقّين قُتلوا في ملابسات تختلف عن تلك التي ذُكرت أعلاه: واحد قُتل بالرّصاص حين رشق حجارة نحو حاجز عسكريّ، واحد قُتل بالرصاص عندما ألقى، وفقاً لادّعاء الجيش، عُبوة متفجرة ـ لم تستطع بتسيلم تأكيد هذا الادّعاء أو دحضه ـ وقُتل الثالث بالرصاص لأنّه ـ حسب ادعاء الجيش الذي لم يكن بالإمكان تأكيده أو دحضه ـ اشتُبه بإشعال شيء ما قرب سَدّة ترابيّة.
وفي رُبع الحالات تقريباً، 13 طفلاً وفتىً، أخَّرَ الجيش أو منَع تماماً وصول الطواقم الطبية أو السكان الذين حاولوا إسعاف أو إخلاء الجرحى. في أربع حالات على الأقل مُنع الوصول طيلة عدة دقائق، بما في ذلك حالة اقتحم فيها الجنود العيادة التي نُقل إليها الجريح وأعاقوا نقله من هناك إلى المستشفى. في أربع حالات، مُنعت إمكانية الوصول لفترة طويلة استمرّت 20-40 دقيقة، وفي خمس حالات أخرى مُنعت إمكانية الوُصول طوال مدة زمنية غير معلومة. في تسع حالات على الأقلّ، وثّقتها بتسيلم، أطلق جنود الرصاص الحيّ في الهواء، أو نحو الأهالي والطواقم الطبّية حتى، بهدف منعهم من الاقتراب من الجرحى لتقديم العلاج الطبّي لهُم أو لإخلائهم إلى المستشفيات.
وفي الحالات التي قام فيها جنود بإخلاء الجرحى من المواقع، مُنع تماماً وُصول السكان والطواقم الطبّية الفلسطينيّة. في هذه الحالات، من غير المعروف ما إذا كان الجنود الإسرائيليون قد قدّموا للجرحى أيّ علاج طبّي قبل إقرار وفاتهم متأثرين بجراحهم، أو إن كانت قد جرت أيّة محاولات لإنقاذ حياتهم.
وتفيد المعطيات المتوفرة حتى 29 حزيران 2026 بأنّ إسرائيل ما زالت تحتجز جثامين 18 طفلاً وفتىً من أصل 54 قتلهم جنودها وتمنع ذويهم من إلقاء نظرة وداع عليهم ثم دفنهم. ويندرج احتجاز جثامين الأطفال ضمن سياسة طويلة الأمد تعتمد اختطاف الجثامين واحتجازها كوسيلة ضغط وورقة مساومة، الأمر الذي يخالف أحكام القانون الدوليّ. فحرمان العائلات من حقّها في دفن أحبّتها المتوفّين وإقامة طقوس الحداد عليهم وزيارة قبورهم يجعل ألم الفقدان مُضاعفاً ومن الصعب تحمّله، فكم بالحريّ حين يتعلّق الأمر بأطفال وفِتيان.

