آراء

إلى متى سوف تستمر هذه المظالم المروعة المرتكبة بحق شعبنا؟

4 مشاهدة
إلى متى سوف تستمر هذه المظالم المروعة المرتكبة بحق شعبنا؟

 الكاتب : المطران عطا الله حنا

هنالك تحريض ممنهج واستهداف لشخصيات دينية ووطنية تدافع عن عدالة القضية الفلسطينية، وتدافع أيضًا عن أهلنا المنكوبين في قطاع غزة.
السلطات الإسرائيلية تسعى، عبر وسائلها المعهودة وغير المعهودة، إلى تجريم أي خطاب يدافع عن أهلنا في غزة، ويتحدث عن حرب الإبادة، ويدافع بشكل عام عن الشعب الفلسطيني المظلوم وما تتعرض له مدينة القدس.
وما حدث البارحة مع فضيلة المفتي يندرج في هذا الإطار، كما أن هنالك ملاحقات تستهدف شخصيات ورموزًا وطنية في فلسطين وفي مناطق الداخل، والتهمة جاهزة، وهي التحريض على الإرهاب والانتماء إلى تيارات ومجموعات إرهابية.
عندما ندافع عن أهلنا في غزة، وننادي بإغاثتهم ومساعدتهم ووقف ما يتعرضون له من إبادة ممنهجة، فإن هذا ليس انحيازًا لثقافة إرهابية أو لفكر إرهابي بأي شكل من الأشكال.
نحن لسنا إرهابيين عندما ندافع عن شعبنا الفلسطيني المظلوم، بل نعبر عن قيم أخلاقية وإنسانية وروحية سامية، فالجريمة الحقيقية هي أن تكون صامتًا أمام هذا الكم الهائل من المظالم التي يتعرض لها شعبنا.
إن المناداة بوقف سياسة التنكيل والتجويع التي تستهدف شعبنا في غزة هي واجب أخلاقي وإنساني بالدرجة الأولى، والتحريض الذي يستهدف شخصيات دينية ووطنية بسبب مواقفهم الوطنية إنما هو أمر مرفوض جملة وتفصيلًا.
إنها سياسة كمّ الأفواه، وهنالك بالفعل من صمتوا خلال الفترة الماضية لاعتبارات معينة، ولكن هنالك من قرروا ألّا يكونوا من شريحة الصامتين أمام هذه الجرائم المرتكبة بحق شعبنا.
لن نكون من شريحة الصامتين المتفرجين على ما يرتكب بحق شعبنا من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
فقيمنا الإيمانية والإنسانية والأخلاقية تحثنا على أن نقول كلمة الحق، حتى وإن أزعجت بعض جبابرة هذا العالم. ومن يقرأ تاريخ الكنيسة يلحظ أن هنالك كمًا كبيرًا من الشهداء الذين استشهدوا لأنهم قالوا كلمة حق أمام سلطان جائر، ولأنهم لم يخافوا من أن يقولوا ما يجب أن يقال، حتى وإن كان هذا مزعجًا ومستفزًا لجبابرة هذا العالم.
أجندتنا ليست أجندة سياسية أو حزبية أو فصائلية، فنحن لسنا تابعين لأي جهة سياسية أو لأي فصيل سياسي ، فانتماؤنا هو للإنسانية أولًا، ومن انتمى للإنسانية لا يمكن له أن يكون صامتًا ومتفرجًا ومكتوف الأيدي أمام ما يرتكب من انتهاكات بحق البشر والحجر والمقدسات في هذه الأرض المقدسة.
يعتبرون مجرد الحديث عن غزة، ورفض حرب الإبادة، والمناداة بإغاثة الجائعين والمكلومين، تحريضًا على الكراهية والإرهاب، وكلنا نعلم من الذي يحرض على الكراهية ومن الذي يمارس الإرهاب.
ففي الآونة الأخيرة ازدادت التعديات على رجال الدين والرموز المسيحية في القدس لأسباب عنصرية، وكذلك ما تتعرض له القدس كلها، بمقدساتها وإنسانها الفلسطيني.
إن سياسة الترهيب والتخويف والتهديد والوعيد لن تؤثر علينا، ولا على كل إنسان متحلٍّ بالإنسانية والقيم النبيلة التي يجب أن ينادي بها.
نحن مسيحيون ونفتخر بمسيحيتنا وندافع عنها، ولكننا في الوقت نفسه لسنا جماعة متقوقعة، ولسنا طائفة معزولة عن محيطها الإنساني والوطني.
نحن لسنا أقلية في وطننا، وإن كنا قلة في عددنا، والمسيحيون اليوم الباقون في هذه الأرض مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، بأن يكونوا شهودًا ليسوع، وللإيمان، وللكنيسة في هذه الأرض، وأن يكونوا ملحًا وخميرةً لهذه الأرض، وصوتًا مناديًا بالحق والعدالة، رافضًا للاحتلال والقمع والظلم الممارس بحق شعبنا الفلسطيني.
لسنا دعاة عنف وقتل وحروب، ولسنا من أولئك الذين يتبنون ثقافة الموت، فثقافتنا هي ثقافة الحياة، ونريد لكل إنسان أن ينعم بالحرية والكرامة، فالحياة هي هبة من الله أغدقها علينا جميعًا.
فلا يوجد هنالك إنسان يستحق الموت، وإنسان آخر يستحق الحياة، ولا يوجد هنالم شعب يستحق أن ينعم بالحياة والحرية، وشعب آخر يستحق أن يعيش مقموعًا ومحاصرًا ومتألمًا.
البشر جميعًا ينتمون إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله، فلا يوجد هنالك إنسان من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة العاشرة، ولا يوجد شعب مختار وشعب آخر غير مختار، فكل الشعوب مختارة، وكل الشعوب مدعوة للعمل من أجل السلام والمحبة والأخوة الإنسانية، بعيدًا عن ثقافة الكراهية والعنصرية وآلة الحروب والموت.
الفلسطينيون في غزة ظُلموا كثيرًا، وعاشوا أوقاتًا عصيبة، وما زالوا يعيشون أوقاتًا أليمة، وكذلك الضفة الغربية تحولت وكأنها سجن كبير، أما القدس فهي مستهدفة في تاريخها وهويتها، والفلسطينيون فيها يستهدفون في كافة تفاصيل حياتهم.
إن المناداة بوقف حرب الإبادة ووقف الجرائم المرتكبة بحق شعبنا ليست إرهابًا ولا انحيازًا لأي نوع من الإرهاب، فهذا واجب إنساني و أخلاقي ووطني.
إن تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم لا يمكن قبوله، فالدماء المسفوكة في كل يوم ليست خبرًا عاجلًا، بل هي مأساة شعب يعشق الحياة والحرية.
نرفع دعاءنا من أجل أهلنا في غزة، ومن أجل فلسطين كلها، لكي يقويهم الرب الإله في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها جميعًا.
ومن يتجول في الضفة الغربية ويذهب إلى مدنها وقراها يسمع أن بعضًا من شبابنا باتوا يفكرون بالهجرة، وباتت تتغلغل إلى مجتمعنا ثقافة اليأس والإحباط والقنوط بسبب ممارسات الاحتلال الظالمة بحق شعبنا.
إن منع الفلسطيني من الضفة الغربية من الوصول إلى عمله في القدس وفي غيرها من الأماكن إنما يندرج في إطار سياسة تجويع هادفة للضغط على الفلسطيني من أجل أن يغادر بلده طوعًا . إنها سياسة التهجير الطوعي؛ ففي عامي 1948 و1967 كان التهجير القسري، أما اليوم فنحن نعيش في مرحلة تمارس فيها سياسة التهجير الطوعي من خلال ما يمارس بحق الفلسطينيين من ضغوط وابتزازات.
والسؤال الذي يطرح اليوم: إلى متى سوف يستمر هذا الحال؟ وإلى متى سيبقى الفلسطينيون يدفعون فاتورة باهظة من حياتهم وكرامتهم وحريتهم، في ظل معادلات سياسية، ويا للأسف الشديد، لا تنحاز للإنسان المظلوم، بل تقف إلى جانب الظالم وعلى حساب المظلوم.
رسالتنا ككنيسة أننا لن نستسلم للشرور، ولن نستسلم لأولئك الذين يسعون إلى إغراقنا في ثقافة الهزيمة والإحباط والقنوط، ولكي يحزم بعض من أبنائنا أمتعته لكي يغادر وطنه.
أعتقد بأن هذا الشر الذي نعيشه لا بد أن تكون له نهاية، فكل شر في هذا العالم له بداية وله نهاية، ونتمنى أن تكون هنالك نهاية سريعة لهذا الكم الهائل من المظالم التي يتعرض لها الفلسطينيون.
أما ظاهرة الفلتان في بعض مناطق الضفة الغربية، ولا سيما في بيت لحم، فهي تستدعي من السلطة الفلسطينية أن تولي اهتمامًا أكبر بهذا الملف، فهنالك تجاوزات واستضعاف لمواطنين، وهذه ملفات يجب أن تعالج، وأن تكون لها حلول سريعة، لكي لا تُستثمر هذه القضايا من قبل المتآمرين على شعبنا بهدف بث الفتنة، في زمن نحتاج فيه إلى الوحدة والتلاحم والتعاضد لكي نكون أقوياء في هذا الزمن الرديء الذي نعيشه .

*رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس