آراء

مستقبل حركة "حماس" .. بين التحولات الاقليمية والمنطلقات الايديولوجية

9 مشاهدة
مستقبل حركة "حماس" ..  بين التحولات الاقليمية والمنطلقات الايديولوجية

الكاتب : د.اشرف عكة

بعد الحرب الاخيرة على غزة ومذكرة التفاهم الامريكية -الايرانية دخل الشرق الاوسط مرحلة معقدة من اعادة التشكيل الاستراتيجي ، بانتقال المنطقة من حالة  الصدام المفتوح الى ادارة التوازنات والنفوذ وتبدل اولويات القوى الاقليمية ، واعادة تعريف ادوار الفاعلين ما دون الدولة  وفي مقدمتها حركة حماس ، امام هذا المشهد تجد حركة حماس نفسها امام واقع اقليمي وبيئة سياسية مختلفة عن تلك المرحلة التي نشأت فيها من رحم جماعة الاخوان المسلمين .

وفي ظل هذا الواقع الاقليمي ومع صعود منطق الدولة الوطنية وتصاعد الاعتبارات الامنية وتراجع مشاريع الاسلام السياسي التقليدي ، تجد  حركة حماس نفسها امام اعادة تعريف لموقفها السياسي ووظيفتها وادوارها  الاقليمية ،ومن هنا لم يعد السؤال عن علاقة حركة حماس  بالاخوان بل بمستقبل الحركة ؟وهل تستمر كتنظيم عقائدي يتحرك ضمن مشروع ايدلوجي عابر للحدود ؟ام تتحول الى فاعل سياسي فلسطيني تحكمة الجغرافيا السياسية والتوازنات والتفاهمات الاقليمية ،ومتطلبات البقاء السياسي الذي يتعامل مع الوقائع الجديدة في المنطقة ؟

تغير الخطاب والبيئة الاقليمية  

المنطقة تغيرت بعد الربيع العربي مع تراجع مشاريع الاسلام السياسي في عدد من الدول العربية ، خاصة بعد سقوط  حكم الاخوان في مصر وتنامي القلق الاقليمي من التنظيمات العابرة للحدود والذي دفع العديد من الدول العربية الى اعادة بناء سياستها على اساس الاستقرار والامن الداخلي، هنا جاءت الحرب الاخيرة على غزة  والحديث عن تفاهمات امريكية ايرانية ،لتحدث تحولات كبرى  ليس على مستوى القضية الفلسطينية،بل على مستوى اعادة تعريف ادوار القوى غير الدولتية في المنطقة  وفي مقدمة كل ذلك  تموضع حركة حماس ومستقبلها الذي اصبح مرهونا بخطابها وتحالفاتها لتجد الحركة نفسها من جديد امام معادلة صعبة بين الحفاظ على هويتها الفكرية والاسلامية دون ان تتحول الى امتداد لازمة الاخوان في المنطقة ، وبين التوزنات الاقليمية بعد الحرب ومتطلبات البقاء السياسي.

حاولت حركة حماس خلال السنوات الماضية  تقديم خطاب سياسي براغماتي واكثر واقعية واقل ايدلوجية  لتحاول تقديم نفسها كحركة مقاومة فلسطينية ببعدها الوطني لا كجزء من مشروع الاخوان، وهذا تجلى في الوثيقة السياسية للحركة عام 2017 التي حملت لغة اكثر مرونة عن خطابها التقليدي في محاولة للتكيف مع التحولات الاقليمية ،الا ان الفترة التي اعقبتها  ومع تصارع الاجنحة داخل الحركة  بين الجناح العسكري والسياسي والداخل والخارج لتجد الحركة نفسها في قلب التجاذبات والمشاريع الاقليمية واما تحد في اطار محور المقاومة وبهذا انتقلت الحركة من مشروع الاخوان الى المحور الايراني . ومع تصاعد الاحداث الميدانية التي اعقبت السابع من اكتوبر والحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران وما تبعها من تطورات سياسية ،وجدت الحركة نفسها امام واقع اكثر تعقيدا لتعيد انتاج ازمتها  وخطابها الايدولوجي مرة اخرى بارتباطها بمشاريع عابرة للحدود ، بعد ان كشفت الحرب على غزة انها لم تكن مواجهة عسكرية بين اسرائيل وحماس بل تحولت الى جزء من معادلة اقليمية اوسع تتداخل فيها الحسابات الامريكية والايرانية والعربية والاسرائيلية .

لهذا تبقى معادلة حماس واعادة تموضعها مسألة بالغة التعقيد خصوصا، حساسية التوازنات الاقليمية وشبكة العلاقات الدقيقة  التي تحاول ادارتها، في ظل بيئة عربية تتوجس من النفوذ الايراني والتنظيمات والمحاور الاقليمية  الاخرى لاسيما المحور التركي القطري فالمنطقة اليوم تتحرك بمنطق ادارة التوازنات والتفاهمات ومنع الانفجار الاقليمي مع وجود مؤشرات على تفاهمات امريكية -ايرانية تهدف لضبط الصراع،  وعلية هل سيكون بمقدور حماس التعاما مع الترتيبات السياسية والامنية الجديدة في المنطقة .

بين الفاعل السياسي والتنظيم العقائدي 

بعد موافقة حماس على خطة  الرئيس ترامب ذات العشرين بندا ،والتي اعلنها البيت الابيض في سبتمبر  2025 ،لانهاء الحرب في قطاع غزة والتي تهدف الى تحويل غزة الى منطقة خالية من السلاح والتطرف واعادة الاعمار وتشكيل ادارة تكنقراط بضمانات دولية ،يجعلها تتحول تدريجا من صورة التنظيم العقائدي الى صورة الفاعل السياسي ،حيث باتت الحركة مضطرة للتعامل مع ملفات التهدئة واعادة الاعمار والادارة الجديدة ،في ظل ترتيبات امنية وسياسية وطنية واقليمية ودولية شديدة التعقيد ،تعيد تعريف دور حماس في اليوم التالي لغزة بعد الحرب وان كانت حماس  مهمة  للضبط الميداني والعلاقة مع الفصائل الاخرى في القطاع في الفترة الانتقالية  ولكن شروط بقائها السياسي يتطلب تخلي الحركة عن هويتها الفكرية وخطابها الايدلوجي وارتباطاتها السياسية الاقليمية، وهو ما اعلنتة في اكثر من مناسبة ،ولكن تحول حماس الى فاعل سياسي لا يعني تخليها عن هويتها الفكرية وان البراغماتية السياسية اصبحت جزء اساسيا من اداراتها لعلاقاتها الوطنية والاقليمية وقت الازمات والتحولات الكبرى ،وهي عملية تكيف مؤقتة تفرضها الظروف والوقائع ،وهذا يعني ان حماس معنية بالحفاظ على موقعها كفاعل سياسي فلسطيني بدلا من الظهور كامتداد لمشروع اقليمي ايدلوجي اوسع يجبرها على الصدام مع محيطها الاقليمي العربي او جوارها الجغرافي الاقرب في ظل اتجاة اقليمي يعطي اولولية للاستقرار والدولة الوطنية ،بعيدا عن المحاور الاقليمية والقوى المرتبطة فيها والتي تحتاج الى فهم دقيق لهذا  الاتجاة السائد . لذا فإن تخلي حماس عن دورها وخطابها الايدلوجي  التقليدي المرتبط بمشروع الاخوان العابر للحدود او غيره مرتبط بشرط البقاء السياسي الواقعي وكأبرز النتائج المباشرة للحرب على غزة وما تبعها من احداث وتطورات اقليمية اشمل ، خصوصا في ظل محاولة اسرايئلية لفرض ترتيبات امنية وسياسية واقليمية على القطاع ،ولهذا تدرك الحركة ان استمرارها يتطلب قدرة اكبر على التكيف مع الظروف الراهنة والضعوط والرقابة الدولية والاقليمية المرتبطة بمستقبل القطاع واعادة الاعمار ووقف الحرب والانسحاب  الاسرائيلي والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية .

وفي ظل هذا الواقع الصعب تبدو حماس امام عملية انتقال تدريجية من حركة مرتبطة بمشروع الاخوان وغيره الى فاعل سياسي يتعامل مع الوقائع الاقليمية بمرونة وبراغماتية .