ثقافة

ناصر أبو سرور، الذي لم يتجرّأ عليه السجنُ.. مصارحات، كأنها أسفارٌ مُقدّسة!

19 مشاهدة
ناصر أبو سرور، الذي لم يتجرّأ عليه السجنُ..  مصارحات، كأنها أسفارٌ مُقدّسة!

 

الكاتب: المتوكل طه

 

لعلّ عنوان كتاب "على سرير الكتابة" للأسير المُحرّر المبدع  ناصر أبو سرور، هو أُكرة باب المؤلَّف، واسمه الذي يعبّر عنه، بالفعل، باعتباره نَصّاً مُسانداً، وقد أحالني مباشرةً إلى علم النَّفس الإكلنيكيّ (السريريّ)، المُتعالق ب "سرير الكتابة"،ما جعلني أعتقد أنّ الكاتب هو نفسه الطبيب المُستمع المُعالِج، وهو المتحدّث، المُعتَرِف بمصارحاته المتوالية، والذي يريد أن ينفث الزجاج المطحون الذي يُدمي صدره. فالعنوان لا يكون اعتباطيّا، بقدر ما يتمّ انتقاء مفرداته بعناية ووعي. وجاءت "الجلسات" تدفّقا واعيا عارفا وذا حمولة قادرة على إيصال المعنى بجدارة فائقة ومدهشة. وسنكون أمام مشهديّة ستفرض ذاتها، بكلّ مجاميعها، لعُمقها وفرادتها وحمولتها وجسارتها..ولأنّ الكتابة تمّت في زَمكانٍ رجراج، غير مألوف، واستثنائيّ، هو الزنزانة.. وقد يكتب السجين لغير سبب، أهمها؛ أنّ الكتابة تأتي من جوف الجحيم الاعتقاليّ، ومن أشيائه القليلة والمتقشّفة، ومن صمته ورعبه وأسراره.. 

ويبدأ كتاب مبدعنا بفاتحة "إقرأ"! كأنه يقول؛ إنّكم أمام "نصّ مقدّس"، يُرجعنا إلى أوّل ما نطق به الوحي..كيف لا وهو الآتي من حمأة المعتقل التطهّريّ، الذي لا يخالطه رجْسٌ أو رَيْب. وبهذا؛ فهو نصّ مُطلق نهائي، لا يمسّه إلا مَن بلغ الكشْف والأعالي. ثمّ يدخل إلى فصل "اكتُب"، ليجيب عن سؤاله "لماذا لا تكتب"؟ وليردّ بفيضٍ أخّاذٍ، هو مُرافعة وسيعة يانعة مثقّفة، يكثّف فيها دوافع الكتابة. 

فما الذي تفعله الكتابةُ فينا، في السجن؟ أعتقد أنها أشبه بالهويه أو بالتعريف، وهي أشبه بالمميز والمحدّد للمبدع المعتقل. الكتابة تردّ على قسوة العالَم وفظاظته وفانتازيّته، وهي توازن واعتدال وواسطة.  فالسجين يصمد بالكاتب الذي بداخله. وكأن النصّ تعويذة السحر أو طوطم الحكاية. وأعتقد أنّ الكتابة، بمفهومها الواسع، هي ما ينقذ السجين. والحرية صنو الكتابة، وهي الأقوى.

وهنا أتوقّف لأؤكّد أننا أمام لغة كتابٍ سماويّة متينة، زاخرة، ومسبوكة، كأنها، بالفعل، أسفار مقدّسة! وثمّة ثقافة وحمولة معرفية أعلَت الكلام إلى حدّ الدّهشة. وأبو سرور، على ما قرّره، يسأل أكثر مما يجيب، بمعنى أنّ السؤال هو جواب، كما أنه دعوة للتفكير، ولإشْراك القارئ ليواصل مع الكاتب النسج والفهم والمخيال..والأكثر أهمية؛ أن هذا الكتاب تناول موضوعات غير مطروقة، استثنائية، بسبب السجن، ربّما، باعتباره مكانا مُغلقا، سيحاول أن يتجاوز حدوده الخانقة وحيّزه الضيّق، نحو فضاءات لا تُحَدّ! وعلى رغم أن سؤال "لماذا نكتب" يبدو مبذولا، لكنّ الكاتب، يطرحه من جديد، بصيغ تتراءى بالجدّة والطزاجة، لأنّ الكتابة، هنا، قارب نجاة، وتشابك أسئلة، والتباسات للزمن المقيّد، مثلما أنها قوّة الحياة، التي عليها أن تفيض لتدلّ على نفسها وحضورها وقدرتها. كما أنّ لغة الكاتب حساسة جداً، وأنيقة، وقد تماهت فيها الأصالة بالمعاصرة، بمُعجزة أسلوبيّة مُبهجةٍ ومتمكّنة..كأن الكلام يتفلّت ليصعد إلى قمّة الشِعر.

وأعتقد أن الكاتب قد كشف للقارئ ما لم يره، في العاديّ والمألوف. عداك عن أن الكاتب المُعافى قد انتصر، لسبب حاسم وجليّ، وهو؛ أنه استطاع فعل الكتابة، بهذا الألق والإدراك، ولم يستطع السجنُ قتْله أو دفن روحه المتوثّبة. والكاتب يعي، تماما، دوافعه النفسيّة، على رأي فرويد، وما تجترحه الكتابة من اشتعالات..بعلوٍّ، كأنه على موعد غراميّ مع اللغة. ويلفتني ذلك النَّفَس الطويل القادر على المحافظة على شياكة الكلام وعمقه وجزالته وفخامته وامتلائه! مثلما استطاع خياله من أن يحطّم الجدران، كلّياً، ويحلّق في آفاق، خلقها وابتدع صورها، وسوّاها وجعلها فراديسه الضافية البهيّة..لقد انتصر السجين، وها هو يدفّ حرّا في الفضاءات! فضلا عن أنّ خياله ثرّ ومليء بالروائح والطعوم والألوان والأماكن والغابات..وموشى بالمواسم الباذخة!

ونواصل القراءة ليطالعنا نصّ شِعريّ، كأنه إنجيل بابليّ، بلغته ودلالات صوره، وإيحاءات مفرداته، وبعناصره الجَمالية السامقة. وكأني بالكاتب يمنحنا استراحة شِعرية رهيفة، لنواصل معه الغوص في أعماق الكتاب وما وراء الصفحات. ثمّ يدخل في طقوس الكتابة كأنه يهيّئ الحاضنة التي ستكون رَحم نصّه، وإن أجمل ما لديه أنه يوظّف معرفته وقراءاته المتنوّعة الغنيّة المتعددة، بقدرة ساحرة فائقة، لتصبح سبيكة ذَهبية من اجتراحه، بعد أن يذيب ما قرأه واستقرّ في وجدانه، وهو يسيطر على الفكرة التي يستخدمها ويشهق بها. وأرى أنه لولا تأمّل الكاتب العميق ونفاذ بصيرته، لما جاء نصّه بهذا الغنى، وبتلك التفاصيل الضرورية والنمنمات المُتقَنة، وبتلك الشاعريّة الأكيدة.

لقد ألقى الكاتبُ نفسَه على الورق، كما قال، ثمّ بدأ بمصارحاته، التي كان أوّلها "مع المكان"، الذي هو مدينة بيت لحم، مهد المسيح وأُمّه البتول، عليهما السلام، ومخيّم الدّهيشة بيت الكاتب وجدرانه. وهنا يتقدّم أبو سرور مفكّرا وباحثا ودارسا، يشرح، ويفكّك المكوّنات الاجتماعية لشعبه الرّازح تحت سنابك الاحتلال..ما يعني أنّنا أمام دراسة سسيولوجية معمّقة، تقرأ الدوافع والمُدْخلات، وتتوقّف عند المُخرجات والنتائج، وتربطها وتحلّلها، ما يوفّر فَهْماً، ربّما يكون الأنضج لدراسة المجتمع تحت الاحتلال. ونلحظ قدرة الكاتب المتميزة وهو يسبر غور المدينة، وتباينها النسبيّ عن الرّيف المحيط بها، فيما يظهر المخيّم باعتباره ظاهرة أو حالة شديدة الخصوصية والتفرّد والاختلاف. 

وأعترف أن كاتبنا الحصيف، ووسط هذا الدّرس التحليليّ الاجتماعي الشموليّ، يقدّم لنا سيرته، باعتبارها خطّا مركزيّا للحكاية وللكتاب، دون أن يغفل الهوامش والتفاصيل التي تتصادى حوله، وتتجلّى بقوّة، ليكون أمامنا مقطعٌ تاريخيّ عاشه الكاتب، في بدايات صباه، وعكس مكوّنات حياته. وسرعان ما نصل إلى تكثيف شِعريّ بعنوان "لاجئ"، لخّص من خلاله حالات المخيّم وعتماته، وحياة اللاجئ.. وكأنّ ما قاله أبو سرور نثراً وشرحا، لم يشف غليله..فراح إلى تعميق المعنى بقصيدة ألحَفَت على الأوضاع، وتوقّفت عند المرارات المرنّقة التي ظلّت في فمه.

ونأتي إلى المصارحة الثانية، المُعنونة ب"مع الصبا"، والتي تشير إلى أن الكاتب سيأخذنا من يدنا إلى ساحات سنواته الأولى، التي حملت أوجاعا استحضرها من ذاكرته. وعليه أقول؛ إن الكاتب في السجن، وحينما ينكبّ على الورق؛ يتداخل أمامه غير زمن، بل تسيل الأزمنةُ على بعضها البعض، وهي طفولته وصباه قبل الاعتقال، ثمّ زمن السجن منذ اعتقاله حتى لحظة الكتابة، وهنا يتداخل الزمنان ويتماهيان ويتقاطعان..ما ينتج لنا مشاهد ممتدّة متحاضِنة، الأمر الذي يجعل الكتابة تُحدِث زمنها الخاص، الثالث. ولعل قصة "سيّدة الحديقة" التي أوردها بتفاصيلها الحميمة، وبجسارة اعتراف مشهود، شرحت ذلك الجَمال وتلك المتعة، وكشفت عن إيقاعات علاقاتنا الاجتماعية الإنسانية، بكلّ ما فيها من براءة وأخطاء.. حتى أن احتفاء الكاتب بتلك السيّدة، بقصيدة، أيضا! يشير إلى أنها مَن أيقظت الرجلَ فيه، وأن مذاقها ما فتئ يطفر في لهاته ويتلمّظ بعسله الحريف..لمَ لا وقد عرّفته على هويّته الجنسيّة، وعلى ذاته..وتركت خطواتها على قلبه الصغير. كما أن الاحتفاء بها يعني احترامها ونفي الإدانة والاتّهام عنها، وإلقاء تحية شوق إليها. وبالتأكيد فإني أحمد للكاتب جرأته الفكرية والأدبية، التي قدّمها بأناقة ولياقة تامّتين.

ولطالما طالعتنا تلك الجرأة في عدد من السِّير الذاتيّة والغيريّة، وأعتقد بأنّ الكاتب حين يقدّم سيرته يعني أنْ يُشارك الآخرين خصوصياته، ويُطلعهم على ما لا يُقال، بالضرورة. وعليه؛ فإن السيرة الحقّة هي غير المُنقّاة أو المُغربلة أو المُنْتقاة، بل تلك التي تفرد بساطها وتضع كلّ بضاعتها، كما فعل أبو سرور، ليرى المُتلقّي المشهدَ من أوّله إلى آخره، وليتمكّن من تفكيك الأسباب والمرجعيات والدوافع، التي كانت وراء كلّ فعل، مهما بلغت غرابته وحدّته، والصدمة التي قد يُحدِثها، خصوصاً أنّ لدى كلِّ واحدٍ منا من الأسرار ما لا يُعدّ، وما لا يُمكن قوله..ولأن سيرة أيّ فردٍ هي وثيقةٌ  تعكس الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفكري والخاص، الذي عاشه.

ومن المفيد أنْ نؤرّخ لكلّ ما مرّ بنا من أحداث، بهدف تأصيل روايتنا، التي مهما كانت شخصيةً ذاتيةً، فإنّها تظلّ سيرةً عامةً؛ لصعوبة فصم الخاص عن العام، وتداخلهما في وضعنا الفلسطيني.

وأستطيع القول؛ إننا بين يدي كتاب هو سيرة مكتملة بعناصرها، التي امتدت خمسين سنة. ونصل إلى المصارحة الثالثة، وهي بعنوان "مع قاتيل"، وهنا يتألّق السرد، بتفاصيله، ليكشف عملية التحقيق بين السجين والسجان (القاتل والقتيل)، ولتظهر خفايا نفسيّة وجسدية وفكرية وسياسية، ربّما لم تخطر على بال أحد من الأسرى! إذ يشرح ما معنى أن تكون سجينا تحت الشرط السّاديّ وفظاعاته وترّهاته..وكأننا أمام محكمة مفتوحة لمشهد مساءلة السجّان الفاشيّ، بكيفيّة غير مسبوقة، ولنعرف أورام السجّان، ونلحظ إحساسه بالتفوّق العنصريّ البغيض والموهوم.

في تلك الزنزانة، قدّم أبو سرور، ببلاغة وعبقرية ووعي ومسؤولية، مرافعتَه؛ لماذا انخرط بالمقاومة وتصدّى للاحتلال وجنوده. وهنا يبلغ الأمر ذروته الفكرية وحكمته السيّاسية وميزانه الأخلاقي..بلغة شِعريّة أخّاذة تفيض عمقا ومعرفة ولباقة. وبالكتابة (ينجو الكاتبُ بكبريائه، ويتحقّق وجوده الفرديّ والجَمعيّ.)

ونصل إلى المصارحة الرابعة "مع السجن". ونلاحظ هنا كيف تتداخل الموضوعات والثيمات، في كلّ المصارحات، إذ لا تخلو صفحة من مفردات السجن وأيّامه ومُقابساته. إلا أنّ الكاتب من القليلين الذين اعتقلوا وكتبواوانتبهوا إلى تلك العلاقة المختلّة، على كلّ الصعد، بينه وبين السجّان، وبينه وبين السجن كحيّز مغلق متجهّم وفظّ ومانع وحقير ومُستَلِب..فهو يحلّل ويشرح ويفكّك العلاقة غير السويّة وغير المُدرَكة، وربما المُبهمة، على الكثيرين ممَن اعتقلوا، وربما كتبوا! ففَعل أبو سرور ما لم يفعله غيره من الكتبَة. لهذا يعتبر أبو سرور من أجمل وأعمق وأنضج ما قرأته لأسير.

لقد استطاع أبو سرور، أن يصبح ذاتاً "تخلق وجودا" وتفرّق بين مَن دخلت القضبان إلى سويداء قلبه فاختنق وانهزم، وبين مَن بقيت القضبان خارجه..فظلّ حرّا، بالمفهوم الوجودي. وأعتقد أنّ الوعي هو العامل الحاسم الذي يُبقي الأسيرعلى مسافة من الظلام والانكسار.

ومن حسن الطالع أن الكاتب يذهب عميقا في افتراع حياة السجن وواقعها الممضّ، وكيف تمّت هندستها، وما هو واجب الوجود للتحرّر منها ومواجهتها، على طريق تخليق آليات أكثر قدرة على النجاة من براثن العتمة وسلوك القطيع، والبقاء في دائرة الفعل والتأثير الحميد.

بعد كلّ ذلك وهذا، أقول بإدراك تام؛ إن الكاتب قد بلغ مبلغ الفيلسوف وارتقى إلى سدّة المفكّر، وحفر له موقعا متقدّما في الصفوف الأولى للمبدعين المميزين. لأن كتابته مختلفة، عميقة، مدهشة، جديدة، متأمّلة إلى حدّ الاختراق، وغير مقيّدة الخيال، مثقّفة عارفة، رائية، دون أن تفقد أناقتها وجزالتها ودلالات مفرداتها الحسّاسة، النائية عن الرّطانة والخطابية والتكرار والتسطيح، أو أثقال الذهنيّة والافتعال.

وقبل نهاية الكتاب، سرعان ما يعود أبو سرور إلى الشِعر! كأنني به يريد أن يروّح عنّا قليلا، ويمنحنا "فورة" نتنفّس خلالها، ونتخفّف من الفجائع، بما يقدّمه من مباهج فكرية تتزيّا بالشِعر وتدوّم في حدائقه. لكنّ القصيدة، هنا، ليست لالتقاط الأنفاس، بقدر ما هي دوّامة سينمائية تركّز على التفاصيل، وتقدّم مشهدا متواصلا جماعيا للحياة داخل المعتقل، بكلّ ندوبه ومفارقاته وأشيائه ومكوّناته وأحلامه الصعبة..والأجمل أننا نقرأ شِعراً شهيّاً كامل الأركان.

ونختتم مع المصارحة الخامسة "مع وطن". وهي شعرٌ أيضاً! كأنه وقبل أن ينهي الصفحات معنا، يقف ليقرأ علينا القصيد، فربّما ظنّ أنّ للشِعر نفاذا، وهو أكثر تكثيفا، ما يمنحه الجلالة والتأثير والميزة العالية، وأنّ المجاز يفعل ما لا يفعله البحث والشرح والتقرير. وأظنّه، هنا، يغنّي، وهو يطارح الشِعر ببراعة، ما يعني أن غناءه لبلاده هو دليل على روح الجموح المُعافاة، وعلى أن الزمن هو زمن المدّ والصعود والمقاومة، لأن الغناء والإيقاع هما ابنا لحظة المجابهة والألق والمجد.

 لقد انتصر أبو سرور، وأحسب أن سنوات السجن لم تتجرّأ عليه. 

شكرا ناصر على هذا الضوء!