الشاعر: يوسف حنا
.
يا غسّان...
.
ثمانيةُ تموزَ
ليس تاريخًا على الروزنامة،
بل نافذةٌ
تدخلُ منها فلسطين
حافيةَ القلب،
حاملةً في يدٍ برتقالةً،
وفي الأُخرى
مفتاحًا ما زالَ يحفظُ صدأَ البيوت.
.
أَكتب إِليك،
ولا أَعرفُ
كيف يصلُ البريدُ
إِلى الذينَ صاروا أَعلى من الجهات.
.
لكنّني أَعلمُ
أَن الرصاصةَ
لا تعرفُ القراءَة،
ولهذا
أَخطأَت العنوان؛
ظنّت أَنّها اغتالتْ رجلًا،
وكانت في الحقيقة
توقظُ مكتبةً كاملةً
داخلَ ضميرِ العالم.
.
يا ابنَ البلاد
التي كانت كلّما ضاقتْ،
اتسعتْ في اللُّغة...
.
ما زالتِ الشمسُ
تختبرُ الرجالَ،
وما زالتِ الخيامُ
تُنبِتُ أَسماءَ أَطفالٍ
يحفظونَ الوطن
كما تحفظُ السنابلُ
سرَّ المطر.
.
وما زالتْ حيفا
تفتح نافذتَها كلَّ مساء،
لعلَّ "العائدُ"
يصلُ هذه المرّة
من الطريقِ
الذي لا تراهُ الخرائط.
.
لقد تركتَ لنا
مفاتيحَ كثيرة:
بابًا اسْمهُ الرواية،
وشباكًا اسْمهُ الحقيقة،
وقنديلًا
لا يعملُ بالزيتِ،
بل بكرامةِ الإِنسان.
.
كلُّ كتابٍ كتبتَه
كان حجرًا
في جدارِ الذاكرة،
وكلُّ كلمةٍ
كانت شجرةً
تزرعُ ظلَّها
في مستقبلٍ
لم يولدْ بعد.
.
لهذا
لم تمت.
.
فالذين يكتبونَ أَوطانَهم
بالحبرِ والدّمِ،
يصيرونَ
لغةً تمشي بين الناس،
لا خبرًا
في أَرشيف السنوات.
.
سلامًا إِليك...
.
إِلى روحٍ
ما زالت تُعلِّم البرتقالَ
أَن يثمرَ رغم المنافي،
وتُعلِّم المفاتيحَ
أَنَّ الصدأَ
ليسَ نهايةَ الأَبواب.
.
وفي الذكرى الرابعةِ والخمسين،
لا نرثيك...
.
بل نعيدُ فتحَ كتابِك،
لأَنَّ الأَحياءَ
هم الذينَ يحتاجونَ
إِلى نورِ كلماتِك،
أَما أَنت،
فقد صرتَ
واحدًا من المصابيحِ
التي لا تطفئُها
العواصف.
.

