اقتصاد

الدولار الأمريكي .. 250 عاماً من الهيمنة ومؤشرات الى أفول تدريجي 

16 مشاهدة
الدولار الأمريكي .. 250 عاماً من الهيمنة ومؤشرات الى أفول تدريجي 

واشنطن-واثق نيوز-وكالات-مع حلول الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني في 4 يوليو/تموز 1776، يبرز تساؤل مشروع حول مصير العملة التي صاحبت هذا الاستقلال وسارت جنباً إلى جنب مع صعود الإمبراطورية الاقتصادية الأمريكية، وهل بدأت بالفعل رحلة الانحسار بعد قرنين ونصف من السيطرة على النظام المالي العالمي؟

من التبعية إلى السيادة النقدية ..
لم يكن الطريق ممهداً أمام الدولار الأمريكي ليصبح العملة الأقوى في التاريخ، بل خاض معارك تحرر نقدي قبل أن يخوض معارك الهيمنة. ففي أعقاب إعلان الاستقلال، سعى الكونغرس الأمريكي إلى تقليص الاعتماد على الجنيه الإسترليني، مفضلاً التعامل بالدولار الإسباني الذي كان واسع الانتشار في الأميركتين. غير أن العملات الأوروبية، وعلى رأسها العملة البريطانية، ظلت متداولة لعقود.

وجاءت الخطوة الحاسمة في عام 1792، حين أصدر الكونغرس قانون سك العملة ليصبح الدولار العملة الرسمية للبلاد، لكن التعددية النقدية استمرت فعلياً حتى عام 1863، حين منع "قانون المصارف الوطنية" تداول أي عملات أجنبية، وأدخل أوراق الدولار الأخضر المعروفة بـ"غرين باكس" إلى الأسواق. أما تسمية الدولار فتعود إلى كلمة "تالر" الألمانية التي كانت تطلق على القطع الفضية الأوروبية، وفق ما يوضح المنتدى الاقتصادي العالمي.

الاحتياطي الفدرالي.. صانع السياسة النقدية ..
مع تأسيس الاحتياطي الفدرالي في عام 1913، حصلت أمريكا على أداتها المركزية لإدارة السياسة النقدية، من تحديد أسعار الفائدة إلى تنظيم المعروض النقدي. وبرز دور البنك المركزي الأميركي بوضوح خلال أزمة الكساد الكبير (1929-1934)، حين اضطرت الإدارة الأمريكية إلى تبني سياسات استثنائية لإنقاذ المؤسسات المتعثرة وإعادة ضخ السيولة في الشرايين الاقتصادية المتجمدة.

بريتن وودز.. ميلاد الهيمنة الدولارية ..
في عام 1944، وقرب نهاية الحرب العالمية الثانية، انعقد مؤتمر بريتن وودز ليرسم خريطة مالية جديدة للعالم. وكانت أوروبا، منهكةً بعد سنوات القتال، بحاجة إلى قائد اقتصادي يقود التعافي، وهو الدور الذي وجدت فيه واشنطن ضالتها. لم تتعرض أمريكا للدمار الذي طال أراضي القارة العجوز، بل خرجت من الحرب أقوى صناعياً وعسكرياً.

وبموجب الاتفاقية، رُبطت العملات الرئيسية بالدولار، وربط الدولار نفسه بالذهب بسعر 35 دولاراً للأونصة، لتصبح الولايات المتحدة بحق "حجر الزاوية في النظام النقدي الدولي"، حسبما تصف شركة "آر بي إس" العالمية. وهنا بدأ الأفول التدريجي للجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي، وصعودٌ أمريكي لم تشهد له البشرية نظيراً.

صدمة نيكسون.. فك الارتباط بالذهب ..
مع مطلع سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح الخلل تظهر، فالحرب الباردة وحرب فيتنام أثقلتا كاهل الخزانة الأمريكية، وارتفعت معدلات التضخم وتراجع النشاط الاقتصادي. وفي عام 1971، اتخذ الرئيس ريتشارد نيكسون قراراً مصيرياً بإلغاء ربط الدولار بالذهب، بعد مشاورات مع آرثر بيرنز رئيس الاحتياطي الفدرالي حينها.

وهذا القرار، وإن منح أمريكا مرونة غير مسبوقة في إدارة المعروض النقدي واستخدام أسعار الفائدة لتحقيق التوظيف واستقرار الأسعار، فتح أيضاً باب التوسع الائتماني وزيادة الاقتراض عبر سندات الخزانة. غير أن نيكسون، الذي كان يدرك تماماً أن التخلي عن معيار الذهب قد يُضعف الطلب على الدولار، سارع إلى إبرام اتفاق مع دول "أوبك" لتسعير النفط بالدولار، وفق ما يوضح الخبير النفطي ممدوح سلامة في حديثه للجزيرة نت. وهكذا أصبحت العملة الأمريكية عملة النفط الأولى بلا منازع، مما عزز هيمنتها لعقود قادمة.

تحديات الألفية الثالثة.. تنامي البدائل ..
جاء العام 2018 ليكون محطة فارقة في مسيرة الدولار، إذ طرحت الصين عملة البترو-يوان في الأسواق العالمية كبديل منافس لتسعير النفط. وتتميز هذه العملة، وفق سلامة، بأنها مدعومة بالذهب عبر بورصة شنغهاي، مما يمنحها ثقة إضافية في الأسواق الآسيوية ودول منتجة للنفط تبحث عن بدائل للهيمنة الدولارية.

وتشير استطلاعات "منتدى المؤسسات النقدية والمالية" الذي يضم 74 بنكاً مركزياً حول العالم، إلى توجه واضح نحو تخفيض وزن الدولار في الاحتياطيات، لصالح عملات مثل اليورو واليوان. وتؤكد شبكة "سي إن إن" الأميركية أن حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي هبطت إلى أدنى مستوى منذ عقدين، وهو ما يعزوه مراقبون إلى صعوبة توقع السياسات الأمريكية، خصوصاً مع الحرب الجمركية التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب على شركاء واشنطن التجاريين.

ومع ذلك، تطمئن أندريا كوريا، رئيسة قسم الأبحاث في المنتدى، بأن الدولار لا يزال يحتفظ بنسبة 58% من الاحتياطيات العالمية، واصفة العملية بأنها "تخلي تدريجي" لا انهيار مفاجئ.

صناديق السيادة.. تنويع أم هروب من الدولار؟ ..
في دراسة حديثة أجرتها شركة "إنفيسكو" لإدارة الاستثمارات، وشملت 90 صندوقاً سيادياً و54 بنكاً مركزياً تدير أصولاً تتجاوز 29 تريليون دولار، كشفت النقاب عن مخاوف متزايدة تجاه الأصول الدولارية، وعلى رأسها السندات الأميركية. وتعود هذه المخاوف إلى عوامل عدة، أبرزها:

-ارتفاع مستوى الدين العام الذي بلغ نحو 39 تريليون دولار بنهاية يونيو/حزيران 2026، مع توقعات بتجاوزه 41 تريليوناً بنهاية العام نتيجة تصاعد الإنفاق العسكري.
-تكلفة خدمة الدين التي قد تصل إلى 1.5 تريليون دولار سنوياً، ما يُثقل كاهل الموازنة ويزيد التشكيك في استدامة المالية العامة.
-الاضطرابات الجيوسياسية، مثل إغلاق مضيق هرمز والحرب الروسية الأوكرانية، التي تدفع المؤسسات إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً وتنوعاً.
ما الذي يخبئه المستقبل؟ ..
يرى الخبير ممدوح سلامة أن مسار التراجع الدولاري قد بات واضحاً، مستشهداً بالتجربة التاريخية للجنيه الإسترليني الذي تراجع تدريجياً مع تراجع القوة الاقتصادية لبريطانيا. ويستند سلامة في توقعاته إلى ثلاثة محاور رئيسة:

-تحول المعاملات الدولية واحتياطيات البنوك المركزية بعيداً عن الأصول الدولارية، مما يقلل الطلب على العملة الأميركية في الأمد البعيد.
-صعود اليوان الصيني، لا سيما مع توقعات تفوق الصين على أمريكا في الناتج المحلي الإجمالي المقاس بالقوة الشرائية الحقيقية.
-تراجع الثقة المؤسسية في السياسات المالية الأميركية، خاصة مع استمرار العجز في الموازنة وارتفاع وتيرة الاقتراض.
خلاصة.. نهاية أم تحول؟ ..
إذا كان الدولار قد حكم العالم طوال 250 عاماً، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس حول زواله المفاجئ، بل حول ما إذا كان العالم يشهد تحولاً نقدياً تدريجياً نحو نظام متعدد الأقطاب. فالتخلي عن الدولرة ليس حدثاً لحظياً، بل عملية بطيئة تزداد وتيرتها مع تنامي القوى الاقتصادية البديلة وتكاثر أدوات التمويل خارج الإطار الأميركي. وبين بقاء الدولار عملة احتياط رئيسة وبدء حقبة جديدة من التنافس النقدي، تبقى السنوات القادمة حاسمة في رسم ملامح النظام المالي للعالم.