الاخبار الرئيسية

محمد بهار...المعاق الذي افترسه الكلب حيا 

10 مشاهدة
محمد بهار...المعاق الذي افترسه الكلب حيا 

الكاتب : عيسى قراقع
لم يحدث هذا إلا في زمن الإبادة على قطاع غزة، لم أقرأ عنه في الكوميديا السوداء، ولا حتى في جحيم القيامة، لم يذكره مؤرخ ولا شيخ ولا نبي، أنها حكاية من حكايات غزة الملفوفة بالموت والرجم واللعنات والصواريخ الفتاكة.

أنها الكلاب البوليسية المتوحشة التي ترافق جنود الاحتلال خلال عملياتها العسكرية، كلاب مدربة مسنونة النواجذ، تقتل وتهاجم وتخطف، وتاكل الاحياء والأموات، تشرب الدماء وتعتقل وتشم رائحة الفلسطيني، تغتصب المعتقلين، تلبس مخالب مدببة وتطلق غرائزها في كل مكان.

بتاريخ 3.7.224 داهم جيش الاحتلال ومعهم عشرات الكلاب البوليسية منزل المعاق محمد صلاح بهار 24 سنة في حي الشجاعية بقطاع غزة، وهو مصاب بمرض متلازمة داون-التوحد، حطم الجنود البيت، وعزلوا العائلة في غرفة منفصلة، بينما بقي محمد وحيدا في غرفته حيث هاجمته الكلاب المفترسة.

 كان محمد طوال الحرب يشعر بالرعب من أصوات القنابل التي تهز البيوت ويقول؛ أنا خائف خائف، انكمش محمد امام الأصوات العنيفة، واهتزازات القنابل في الأرض  والسماء، أنه يجد صعوبة في الحركة، ويحتاج إلى من يساعده في الملبس والماكل والمشرب و قضاء حاجاته الخاصة، لم يستمع الجنود لصوت والدته وهي تصرخ: أنه معاق أنه معاق ارحموه، ابعدوا الكلاب عنه.

بدأت الكلاب تنهش جسد محمد الجالس على كرسي على مرأى من الجنود المستمتعين بهذه الوليمة الدسمة، الكلب عض صدره ثم يده وذراعه والدماء تسيل، لم يتكلم محمد، كان يتمتم لا..لا، ويضع يده على رأس الكلب ويقول: كفى..كفى، وفي النهاية أرخى يده واستمر الكلب في تمزيقه حتى الموت.

أمام هذا المشهد وصراخ العائلة المذعورة،تم طردهم من المنزل تحت تهديد السلاح، وبقي محمد يصارع الكلاب حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، رأى موته بأم عينيه، أنه الموت الحي، الموت في الخوف والصدمة والصمت والدهشة والضعف، لقد أصبح جسده المريض ساحة للانتقام والعنف.

محمد لم يكن يحمل سلاحا، ولم يكن يهدد أحدا، كان يحمل هشاشته الإنسانية التي يفترض أن تلقي الحماية والرعاية والرحمة، ولكنه ترك لتسحقه الكلاب العسكرية داخل بيته بلا  ملجأ، وبلا قانون يمتد إليه، وبلا يد تنتشله من فم الرعب المسلح وكلابه المسعورة.

مات المعاق محمد بهار ومات العالم معه، والقوانين الدولية عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، ماتت العدالة الإنسانية، عندما تحول الكلب إلى دولة ونظام ومؤسسة وجزءا من الوحشية الممنهجة.

سكت محمد بهار ولم تسكت الكلاب في غزة والمعسكرات،  لا زالت تعوي وتنبح، عواء الطائرات والزنانات والانفجارات، نافورات بشر تقذف الدم، فلم تعد الحرب حدثا عسكريا بل بنية كاملة ونظام للموت، الموت في الطريق، الموت في البيت، الموت في طابور الماء، الموت في المستشفى، الموت تحت الركام، الموت في الموت.

قتل المعاق محمد بهار ولازال آلاف المعاقين الذين شوهتهم حرب الإبادة  يبحثون عن أطرافهم الناقصة التي طوحتها القنابل في الغبار والرمل والاسمنت، عائلات مسحت بالكامل بلا كواشين ولا ذكريات، هناك سقط قناع  كبير عن وجه عالم يتحدث كثيرا عن الكرامة والانسان..

المعاق محمد بهار افترسته الكلاب الاسرائيلية في زمن أصبحت فيه غزة عارية أمام فنون الموت بكل أشكاله، القصف، الجوع، التشريد، الفقد، الخذلان، وكان محمد يسأل خلال الموت وبعد الموت:  اين الحضارة والأخلاق والنظريات الإنسانية والحقوقية عندما يترك الإنسان وحيدا أمام آلة القتل؟ أمام دولة مستكلبة لها اصوات خشنة قادمة من عصور الظلام.

 في رسالة إلى ما يسمى مجلس السلام كتب محمد  بهار: إذا جاء الأعمار وتوقفت الحرب ومحي الخط الاصفر، ابحثوا عن جثتي هناك في  زقاق صغير بين البيوت المدمرة، لأن عائلتي لم تستطع نقل الجثة إلى المشرحة أو المقبرة.

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية