آراء

حلم قبلة الولد على الورق

156 مشاهدة
حلم قبلة الولد على الورق

الكاتب : أحمد دخيل 

خرج أحمد عبد الكريم السيقلي من السجن بعد عامين، وكان يظن أن الطريق إلى البيت، مهما طال، ينتهي دائمًا عند بابٍ تفتحه يدٌ صغيرة اشتاقها، أو عند ضحكةٍ تتدحرج من إحدى الغرف لقهقهةٍ ألفتها أذناه، أو عند أطفالٍ يتسابقون نحو أبيهم كما تتسابق المناجل مع الريح لعناق السنابل.
خرج أحمد ليجد أن البيت الذي كان يحمله في ذاكرته لم يعد موجودًا إلا بوصفه أثرًا بعيدًا، وأن الأيدي التي كان يحفظ دفئها تحولت إلى أسماءٍ مكتوبة على شهادات وفاة.
ستة أطفال.
ستة كواكب انطفأت دفعةً واحدة.
ستة أسرّة فارغة ستظل تحتفظ بانحناءة الأجساد الصغيرة التي كانت تنام عليها.
أي لغة تستطيع أن تحفظ هذا المشهد دون أن تتكسر حروفها؟ وأي بلاغة تستطيع أن تقطع هذه المسافة الممتدة بين زنزانةٍ ضيقة وشهادات وفاة مصطفة فوق طاولة؟
في الحروب، يموت الناس كثيرًا، لتتجسد المأساة الحقيقية عندما يستعيد الموت أسماءه وملامحه وعلاقاته الحميمة، وليس هناك ما هو أصعب من أن يصبح الضحايا أبناءً ينتظرون آباءهم على الجانب الآخر من الحياة.
كان الرجل يعد الأيام في سجنه كما يعد البحار موجات الليالي الطويلة.
 وربما أجّل أحلامه الصغيرة إلى لحظة الخروج، قبلةٌ على جبين طفل، واحتضانٌ يطول حتى يذوب القيد المتراكم في الذاكرة، وجلسةٌ عائلية الاستثنائي فيها أن الجميع موجودون.
غير أن القدر في غزة يكتب سطوره بالنار عوضًا عن الحبر.
هناك، تسير الأيام وفق خرائط القصف ومسارات الغياب. وهناك أيضًا، يشيخ الأطفال دون أن يعبروا دروب أطفال العالم، إنهم يتعلمون مبكرًا كيف يميزون نوع الطائرة بسماع هديرها، يتقنون الاختباء، وكيف ينامون على قلقٍ يشبه حدّ السكين.
لكن أحدًا لا يتعلم كيف يستقبل نبأ موت ستة أطفال دفعةً واحدة.
إن الفقد حين يأتي متفرقًا يمنح القلب فرصةً متواضعة لالتقاط أنفاسه،  في فلسطين يهبط الفقد مرةً واحدة، وكأنه انهيار تلٍ فوق صدر إنسان.
كيف يمكن لأبٍ خرج من الأسر أن يستوعب أن أبناءه سبقوه إلى الغياب؟
كيف يمكن لذاكرته أن تتصالح مع غياب  الوجوه التي حفظ تفاصيلها تلك التي غابت لحمًا ودمًا وظلت صورًا؟
وهل بمقدور الصورة أصلًا أن تؤدي وظيفة الحضور؟
مثل هذه الأحزان تصبح اقتلاعًا للزمن نفسه من جذوره.
كثرٌ في بلدي  يشبهون أحمد فقدوا المستقبل الذي تخيلوه مع أحبتهم. 
 أي فقد ذلك الذي يطاردنا، فقد الأعمار التي لم تكتمل، والأحلام التي لم تنضج، والسنوات التي كنا نعتقد أنها تنتظرنا جميعًا.
الولد حينما يرحل، يأخذ معه غرفةً كاملة من المستقبل.
في غزة، تسقط الأحلام قبل البيوت  وتسقط معها السلالم التي كانت ستقود أصحابها إلى أيامهم القادمة.
لهذا تبدو المأساة أكبر من خبر في صحيفة مهما علا شأنها.
هي قصة إنسان خرج من سجنٍ صُنع من حديد ليجد نفسه داخل سجنٍ آخر صُنع من الغياب.
والمفارقة القاسية أن الأسر يمكن ان يكون له نهاية معلنة، باب يُفتح، وقيود تُفك، وشمس تُرى من جديد.
بينما الفقد، سجنٌ لا أبواب له، وقيد لا فكاك منه. 
إنه زنزانة تتسع كلما حاول صاحبها الهروب منها.
ربما نجت الزوجة وابنة واحدة من الغارة، لكن النجاة في مثل هذه الحكايات لا تعني الحياة، فقد ينجو الجسد بينما تظل الروح واقفة تحت أنقاض اللحظة ذاتها، عاجزة عن تجاوزها.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية أن الأب لم يحظَ حتى بحق الوداع.
لم يمسك بأيدي أطفاله في لحظاتهم الأخيرة.
لم يسمع أصواتهم.
لم يقل لهم تلك العبارة البسيطة التي يقولها الآباء كل يوم من دون أن يدركوا قيمتها: «يابا راجع بطولش».
لقد عاد فعلًا، عاد متأخرًا، متأخرًا عامين عن موعد العناق الأخير.
ومتأخرًا عمرًا كاملًا عن أطفاله.
إن العالم كله، بكل ما راكمه من خطاباتٍ سياسية وقوانين ومواثيق ومؤسسات، يصبح كسيحًا أمام دمعة أبٍ يحمل شهادات وفاة أبنائه بدلًا من حملهم بين ذراعيه.
لذلك تبدو المآسي الكبرى شبيهةً بالرعد، لا تفسر السماء، لكنها تشقها إلى نصفين.
وسيظل هذا الأب، مثل كثيرين في غزة، يحمل حكايته كما يحمل المسافر قربةً نضُبَ ماؤها  وبقي جلدها رطبًا.
وسيظل يتذكر أبناءه الستة كلما فتح بابًا، أو سمع ضحكة طفل، أو رأى حقائب المدارس، أو مر أمام متجرٍ للألعاب.
فالأطفال يتحولون إلى مواسم داخل أرواح آبائهم حين يغادرون.
وإلى نجومٍ بعيدة تهديهم وتؤلمهم في آنٍ واحد.
وإذا كان السجن قد صادر من الرجل عامين من عمره، فإن الحرب صادرت منه أعمارًا كاملة كانت تسير على قدمين صغيرتين وتناديه بكلمة واحدة:
أبي.