محليات

الأطفال حين تغلق أبواب التعليم أمامهم ... أسواق العمل تنتظرهم ولكن بلا عدالة

44 مشاهدة
الأطفال حين تغلق أبواب التعليم أمامهم ... أسواق العمل تنتظرهم ولكن بلا عدالة

نابلس ـ واثق نيوز ـ تقرير:سهير سلامة- في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون المدرسة بوابة الأطفال نحو مستقبل أفضل، يجد آلاف الأطفال أنفسهم خارج أسوارها، يحملون أدوات العمل بدلا من الحقائب المدرسية، وبينما ترك الفاقد التعليمي فجوات واسعة في التحصيل الدراسي نتيجة الانقطاع عن التعليم وضعف استمراريته، برزت عمالة الأطفال كأحد أبرز التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الأزمة.
وكما هو معروف، فكلما اتسعت الفجوة التعليمية، ازدادت احتمالات تسرب الأطفال من المدارس، ودخولهم المبكر إلى سوق العمل، في دائرة متشابكة من الفقر، وعدم توفر المراكز الترفيهية والتعليمية المناسبة لعقول وطموحات هؤلاء الاطفال، بالإضافة إلى حرمانهم من حقهم في التعليم، من اجل توفير لقمة العيش .

ويقول ا.نسيم قبها، مستشار في الإئتلاف التربوي الفلسطيني، والحملة العربية للتعليم، عضو مركز إبداع المعلم، في نابلس، أن هناك علاقة جدلية بين الفاقد التعليمي المتصاعد وتفشي ظاهرة عمالة الأطفال في فلسطين ، وفق المنظور الآتي:

أولاً: حجم الفاقد التعليمي
يشكل الفاقد التعليمي في فلسطين اليوم تحدياً وجودياً بامتياز، في ظل انتهاكات الاحتلال المتواصلة وحصار مالي خانق يطال المشهد التعليمي برمته، ففي قطاع غزة وحده، بلغ عدد الأطفال خارج مقاعد الدراسة نحو 660 ألف طفل، مع تدمير أو تضرر ما يقارب 90% من المدارس. هذا المشهد الكارثي يخلق فجوة تعليمية هائلة، تحرم جيلاً كاملاً من حقه الأساس في التعلم.
ثانياً: من الفاقد التعليمي إلى عمالة الأطفال

وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يحوّل الفاقد التعليمي الأطفال إلى عمالة؟
وتكمن الإجابة في أن الفاقد التعليمي ليس مجرد غياب عن المدرسة، بل هو انقطاع عن منظومة الحماية الاجتماعية بأكملها. فالمدرسة ليست فقط مكاناً للتعلم، بل هي ملاذا آمنا يحمي الطفل من مخاطر الاستغلال، والعمالة، وعندما تنهار هذه المنظومة، وتتآكل آليات التكيف الأسري، تلجأ الأسر الفلسطينية و تحت وطأة الفقر المدقع الذي تعيشه ثلث العائلات الفلسطينية، والتي هي تحت خط الفقر، إلى استراتيجيات سلبية، في مقدمتها تسرب الأطفال من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل.

ويؤكد قبها، اننا نشهد اليوم أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم الثامنة يحملون أعباءا تفوق طاقتهم، يعملون في أنقاض المنازل المدمرة أو كباعة متجولين، بعد أن فقدوا آباءهم في الحرب. هؤلاء الأطفال لم يختاروا العمل طواعية، بل فرضته عليهم ظروف الفاقد التعليمي والفقر المدقع.

ثالثاً: حلقة مفرغة

الأخطر أن هذه الظاهرة تخلق حلقة مفرغة،  فالطفل العامل يحرم من تعليمه، فيفقده مستقبله، ويصبح جيلاً جديداً من الفقراء الجاهلين، غير القادرين على النهوض بأنفسهم أو بأمتهم. وهكذا يستمر توارث الفقر والجهل عبر الأجيال.

رؤية تربوية للخلاص

فيما يستعرض المستشار التعليمي في الائتلاف التربوي، سبل الخروج، ومعالجة هذه الأزمة، انها تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بوقف العدوان على التعليم ومؤسساته، وتشمل برامج طارئة للحد من الفاقد التعليمي، ودعما نقديا للأسر الفقيرة لإبقاء أطفالها في المدارس، وإعادة تأهيل نفسي وتربوي للأطفال المتسربين.

و يخلص قبها، الى ان استمرار هذا الفاقد التعليمي، ليس مجرد أزمة تربوية فقط، بل هو جريمة بحق طفولة فلسطين ومستقبلها، والمطلوب اليوم العمل، كل من موقعه، على إنقاذ أطفالنا من براثن عمالة الأطفال، واستعادة حقهم في التعليم والكرامة.

الفاقد التعليمي والاحتلال سببا عمالة الاطفال

يقول الباحث والمختص الأكاديمي، في جامعة بيرزيت، د.ابراهيم ربايعة، ان الحالة الاقتصادية التي نعيشها في المناطق الفلسطينية متردية، واليوم في ظل شكل التعليم الحالي الذي لا يلتزم بالانتظام والمتقطع اساسا، بفعل عوامل عدة، وبخاصة عند حديثنا عن التعليم الحكومي، تصبح هناك فرص اكثر لانخراط الاطفال بشكل جزئي في سوق العمل،  ونحن نتكلم انه وخلال الايام التي يكون التعليم فيها عن بعد، وهذا يعزز النزعة لديهم للاتجاه الى سوق العمل.

من جهته يوضح د.محمود حوامده، مدير مشروع ادارة تدخلات التعافي التعليمي في جامعة القدس المفتوحة، انه قد يعتقد البعض بأن الفاقد التعلمي، هو فقدان الطالب للمعارف والمهارات وتراجع في تحصيله الدراسي، ولكنه يشكل عاملا رئيسا وخطيرا في احتمالية تسرب الاطفال من المدارس، ودخولهم الى سوق العمل في سن مبكرة، فالظروف الاقتصادية التي نعيشها في فلسطين وما تعانيه العديد من الاسر الفلسطينية، ومنها التدني الكبير في الدخل، تدفع الطفل الذي يفقد ارتباطه بالمدرسة، للخروج والعمل، ويصبح اكثر عرضة للاستغلال وحرمان حقه في العلم والنمو السليم.
ويشير حوامده الى ان هناك العديد من الدراسات التي تبين ان هناك علاقة وثيقة ما بين الانقطاع عن التعليم وعمالة الاطفال، فتقارير اليونسيف والامم المتحدة تشير الى ان الاطفال العاملين وخاصة في الاعمال الخطرة هم الاقل انتظاما في التعليم، والاكثر عرضة لترك المدرسة مبكرا، وفي الحالة الفلسطينية تتفاقهم هذه العلاقة نتيجة للأزمات المتلاحقة وتدهور الاوضاع الاقتصادية، والفاقد التعليمي يؤدي الى اتساع فجوات التعلم وارتفاع احتمالية التسرب، وخاصة بين القئات الاكثر هشاشة، الامر الذي يزيد من خطر توجه الاطفال الى سوق العمل للمساهمة في المساعدة في توفير دخل الاسرة.
ويضيف حوامدة، ان خطورة هذا الواقع، تزداد في ظل ما تشهده فلسطين من انقطاعات متكررة في التعليم، فالتقارير الحديثة تشير إلى أن الأطفال في غزة فقدوا ما لا يقل عن 14 شهراً من التعلم منذ عام 2019 نتيجة جائحة كورونا والحرب، مع توقع ارتفاع كبير في فقر التعلم، وهو ما يهدد جيلاً كاملاً بخسائر تعليمية قد تدفع المزيد من الأطفال إلى ترك المدرسة والانخراط في سوق العمل إذا لم تُنفذ برامج تعافٍ تعليمية عاجلة.
ويستطرد حوامدة، لذلك، فإن معالجة الفاقد التعليمي يجب ألا ننظر إليه باعتباره قضية تربوية فقط، بل هو استثمار في حماية الأطفال من عمالة مبكرة، وتعزيز صمود الأسر، وحماية رأس المال البشري الفلسطيني، وكل دولار يُستثمر في برامج التعافي التعليمي والدعم النفسي والاجتماعي والإبقاء على الأطفال داخل المدرسة، يساهم في الحد من مخاطر عمالة الأطفال ويعزز فرص التنمية المستدامة للمجتمع الفلسطيني ككل.

أزمة اقتصادية كبرى 

وفي ذات السياق، تضيف الناشطة التربوية في مدارس يطا، قضاء الخليل، وعضوة الائتلاف التربوي، الاء رشيد، ان الجميع اليوم، وعلى مختلف الأصعدة، يعاني من الأزمة الاقتصادية الكبرى التي نمر بها جميعا، وما لها من أثر على قطاعات حيوية، ومنها التعليم والصحة، مثلها كباقي القطاعات الأخرى، لكن الأثر الكبير الواقع على الطلبة لايزال هو الأكثر إلحاحا وإزعاجا موضوع الفاقد التعليمي والانقطاع الدراسي وتقليص المحتوى التعليمي، والذي نتج عنه ظواهر إما جديدة علينا أو زادت حدتها عن ذي قبل، خاصة مع تقاطعها مع الوضع الاقتصادي السيء للأسر الفلسطينية، مثل عمالة الأطفال واتجاههم إما لمساعدة عائلاتهم أو لتوفير مصروفهم الشخصي، أو كنوع من تعبئة الفراغ، وأسباب أخرى لا نستطيع حصرها في ظل وجود العديد من الصعوبات والتحديات، مؤكدة الانعكاس السلبي عليهم، وعلى مستقبلهم، لاحقا وعلى توجهاتهم نحو التعليم، ومطالبة الجميع وكل من يملك حلا أن يوقف نزيف التعليم فورا، وايجاد الحلول المناسبة للخروج من هذا المازق التربوي التعليمي الواقع على اطفال فلسطين.


 فيما يعد الفاقد التعليمي مشكلة خطيرة لا تقتصر آثارها على ضعف التحصيل فقط، بل تمتد لتزيد من هشاشة الأطفال وتدفع بعضهم إلى سوق العمل مبكرا بدل الاستمرار في التعليم، ومع تراجع المهارات الأساسية وارتفاع احتمالية التسرب، تصبح عمالة الأطفال نتيجة مباشرةً وأحيانا سببا إضافيا لتفاقم الفاقد التعليمي، فيدور الطفل داخل دائرة من الحرمان والفقر وضعف الفرص المستقبلية، لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب دعما تعليميا مبكرا، وحماية اجتماعية للأسرة، وإعادة الأطفال إلى المدرسة لضمان مستقبل أكثر أمانا وإنصافا.