آراء

الانتخابات التشريعية بين الضرورة والممكن .. القدس في عين العاصفة

18 مشاهدة
الانتخابات التشريعية بين الضرورة والممكن .. القدس في عين العاصفة

الكاتب : اللواء بلال النتشة
 

تأتي الانتخابات التشريعية الفلسطينية، في هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية، كاستحقاق وطني لا ينبغي النظر إليه من زاوية إجرائية أو تنظيمية فحسب، بل باعتباره جزءًا من معركة الحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني، وتجديد الحياة السياسية، وتعزيز شرعية المؤسسات، وترميم الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية.

إن الحديث عن الانتخابات التشريعية بين «الضرورة والممكن» يعكس حجم التحديات التي تواجه شعبنا وقضيتنا الوطنية. فالضرورة تفرض نفسها بقوة، لأن استمرار الانقسام وتعطّل المؤسسات وتراجع الحياة الديمقراطية لا يخدم سوى الاحتلال ومشاريعه الرامية إلى إضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية وتفتيت إرادة شعبنا. أما الممكن، فيرتبط بقدرتنا على توفير البيئة السياسية والقانونية والوطنية التي تجعل من الانتخابات مدخلًا للتوافق والوحدة، لا سببًا جديدًا للخلاف والانقسام.

وفي قلب هذه المعادلة تقف القدس، التي ليست مجرد بند في برنامج انتخابي، ولا شعارًا يرفع في المناسبات، وإنما هي جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية وعنوان الصراع ومركزه السياسي والروحي والتاريخي.

فالقدس اليوم تعيش في عين العاصفة، في ظل سياسات إسرائيلية تستهدف الإنسان والمكان والهوية، وتسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتغيير طابع المدينة وتركيبتها الديمغرافية، ومحاصرة الوجود الفلسطيني فيها. وقد أكدت في مناسبات عدة أن مواجهة هذه السياسات تتطلب تعزيز صمود المقدسيين ماديًا وسياسيًا وقانونيًا، وحماية الهوية العربية الفلسطينية للمدينة.

ومن هنا، فإن أي حديث عن انتخابات تشريعية فلسطينية لا بد أن يضع القدس في صدارة الاهتمام، وأن يجيب بوضوح عن سؤال جوهري: كيف يمكن إجراء استحقاق ديمقراطي وطني دون أن تتحول القدس إلى استثناء أو ضحية للظروف السياسية القائمة؟

إن مشاركة المقدسيين في الحياة السياسية الفلسطينية ليست امتيازًا أو منحة من أحد، وإنما هي حق أصيل وواجب وطني، لأن المقدسي هو جزء أساسي من النسيج السياسي والاجتماعي الفلسطيني، ولأن المدينة المقدسة هي عاصمة دولتنا الفلسطينية المنشودة.

ولذلك فإن الانتخابات، إذا ما توفرت شروطها الوطنية والسياسية، يجب أن تكون مناسبة لتثبيت حضور القدس وأهلها في القرار الوطني، لا لتهميشهم أو التعامل معهم باعتبارهم حالة استثنائية.

لقد أثبتت التجربة أن الاحتلال يسعى دائمًا إلى استثمار الانقسام الفلسطيني وتوظيفه لصالح مشروعه. وكلما انشغل الفلسطيني بخلافاته الداخلية، وجد الاحتلال مساحة أوسع لفرض الوقائع على الأرض. ومن هنا تصبح الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار سياسي، بل ضرورة لحماية الأرض والإنسان والهوية.

إن الانتخابات التشريعية يمكن أن تشكل فرصة لإعادة الاعتبار للحياة الديمقراطية الفلسطينية، وتجديد دماء المؤسسات، وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في صناعة القرار، ولكن نجاحها يتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا، وقواعد واضحة، وضمانات حقيقية للنزاهة والشفافية، وقبول الجميع بنتائج صندوق الاقتراع.

ولا يمكن أن تكون الانتخابات وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام، أو مدخلًا لصراع جديد على السلطة، بل ينبغي أن تكون خطوة على طريق إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية.

وفي هذا السياق، فإن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الإطار الوطني الجامع، بما تمثله من عنوان للهوية السياسية الفلسطينية، ومن الضروري العمل على تعزيزها وتطوير مؤسساتها وتوسيع المشاركة فيها بما يضمن تمثيل مختلف مكونات شعبنا وقواه السياسية والوطنية.

أما القدس، فتحتاج إلى ما هو أبعد من الخطاب السياسي. إنها تحتاج إلى برنامج وطني متكامل، يوفر للمقدسيين مقومات الصمود، ويدعم التعليم والصحة والإسكان والاقتصاد، ويحمي المؤسسات المقدسية، ويعزز الوجود الفلسطيني في المدينة، ويواجه محاولات التهجير والاقتلاع والتغيير الديمغرافي.

فالانتخابات لا تكون ذات قيمة حقيقية إذا لم تنعكس على حياة المواطن، وإذا لم تتحول نتائجها إلى سياسات وبرامج تحمي الأرض وتصون الحقوق وتدافع عن المقدسات.

إن شعبنا الفلسطيني، الذي قدم آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، ويواصل الصمود في مواجهة الاحتلال، يستحق نظامًا سياسيًا قويًا وموحدًا وقادرًا على حمل أمانة هذه التضحيات. وهذا لا يتحقق إلا بتغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة.

وفي القدس تحديدًا، تزداد المسؤولية، لأن المدينة تواجه تحديات متصاعدة، ولأن الاحتلال يعمل على تكريس وقائع جديدة تستهدف الوجود الفلسطيني. وقد أشرنا مرارًا إلى أن تعزيز الجبهة الداخلية وإنهاء الانقسام وتقوية المؤسسات الوطنية هي من أهم شروط مواجهة هذه المخاطر.

إن «الضرورة» اليوم هي أن نستعيد الحياة الديمقراطية، وأن نعيد بناء الثقة، وأن نمنح المواطن حقه في اختيار ممثليه، وأن نوحد المؤسسات والقرار الوطني.

أما «الممكن»، فهو أن نمتلك الإرادة السياسية والشجاعة الوطنية للجلوس معًا، والاتفاق على القواعد التي تضمن انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وتفتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة.

ولا ينبغي أن نخشى من صندوق الاقتراع إذا كنا جميعًا نؤمن بأن فلسطين أكبر من الفصيل، وأن القدس أكبر من الحزب، وأن المشروع الوطني أسمى من أي مكسب انتخابي عابر.

إن القدس تنظر إلينا جميعًا، وتختبر قدرتنا على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية. وهي في عين العاصفة، لكنها في الوقت ذاته في قلب الوجدان الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي، وستبقى عنوانًا للصمود ومركزًا للنضال الوطني.

ومن هنا، فإن الانتخابات التشريعية، إن توفرت شروطها، يجب أن تكون بداية لاستعادة الوحدة وتجديد الشرعية الديمقراطية وتعزيز المؤسسات، وأن تكون القدس حاضرة في مقدمة برنامجها السياسي والوطني.

فلا انتخابات بلا القدس، ولا مشروع وطنيا من دون القدس، ولا دولة فلسطينية مستقلة من دون القدس عاصمة لها.

والمطلوب اليوم ليس البحث عن الممكن السهل، وإنما تحويل الضرورة الوطنية إلى ممكن سياسي، عبر الإرادة والتوافق والشراكة، حتى يبقى شعبنا موحدًا في مواجهة الاحتلال، وحتى تبقى القدس حاضرة في قلب القرار الوطني، لا مجرد عنوان في الخطابات.

القدس في عين العاصفة، لكنها ستبقى في قلب فلسطين، وستظل بوصلتنا التي لا نحيد عنها.

*الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس