آراء

جيل التسعينات في غزة: أحلام مؤجلة في واقع لا يرحم

136 مشاهدة
جيل التسعينات في غزة: أحلام مؤجلة في واقع لا يرحم

الكاتب : د. بسام سعيد
 
بدايةً، يمكن القول إن مصطلح "جيل التسعينات" لم يكن مجرد تصنيف زمني لمن وُلدوا خلال عقد التسعينيات، بل هو وصف أطلقه أبناء هذا الجيل على أنفسهم، تعبيرًا عن خصوصية تجربتهم والتى تميزت بالمعاناة  وضيا ع الأحلام دون غيرهم .
فهناك أجيال تُقاس أعمارها بالسنوات، وأجيال أخرى تُقاس بالحروب التي عاشتها. وجيل التسعينات في قطاع غزة ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فمنذ ولادته لم يعرف الاستقرار إلا نادرًا، ولم يعش سوى الحصار، والانقسام، والحروب المتكررة، والأزمات الاقتصادية، وانقطاعه شبه الكامل عن العالم مما خلق ثقافة محليه لاتتناسب مع الواقع والعولمة التى نعيشها .
 نشأ هذا الجيل في ظروف استثنائية جعلت الحياة الطبيعية حلمًا بعيد المنال، وحولت أبسط الطموحات إلى معارك يومية من أجل البقاء.
كبر أبناء هذا الجيل وهم يشاهدون العالم عبر شاشات الهواتف والحواسيب، بينما كانت حدودهم مغلقة وآفاقهم محدودة. درسوا واجتهدوا، وتخرج الآلاف منهم من الجامعات، لكنهم اصطدموا بواقع البطالة التي أصبحت سمة ملازمة للمشهد الاقتصادي في غزة. فالشهادة الجامعية لم تعد ضمانًا للعمل، بل أصبحت في كثير من الأحيان ورقة تُضاف إلى ملفات الانتظار الطويل.
ورغم كل ذلك، لم يستسلم كثير منهم. حاولوا الابتكار، وأطلقوا مشاريع صغيرة، وسعوا إلى العمل الحر، واستثمروا في التكنولوجيا والعمل عن بُعد، لكنهم واجهوا تحديات أكبر من إمكاناتهم؛ فغياب البيئة الاقتصادية المستقرة، وضعف فرص الاستثمار، وتكرار الحروب، كانت كفيلة بإجهاض كثير من المبادرات قبل أن ترى النور.
ولعل أكثر ما يميز هذا الجيل هو التناقض بين عمره الحقيقي وعمره النفسي. فالشباب الذين يفترض أن يعيشوا سنواتهم الأولى بالأمل والانطلاق، تبدو على وجوههم علامات التعب والقلق المبكر. الشيب الذي غزا رؤوس بعضهم ليس مجرد أثر للعمر، بل انعكاس لضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية متراكمة. أحلام كثيرة بقيت معلقة، وأمنيات بسيطة تحولت إلى أهداف بعيدة المنال.
من استطاع أن يغادر غزة شعر وكأنه خرج من "خرم الإبرة"، باحثًا عن فرصة للحياة والعمل، وبعضهم نجح في بناء مستقبل جديد. وآخرون دفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولة الهجرة، فابتلعتهم البحار وهم يبحثون عن كرامة افتقدوها في وطنهم. أما من بقي، فقد اضطر كثيرون إلى العمل في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم؛ فمنهم من يعمل نادلًا، ومنهم من يبيع السجائر على بسطة صغيرة، وآخرون يعيشون على أعمال مؤقتة لا تحقق الحد الأدنى من الاستقرار.
حتى الزواج، الذي يُعد بداية حياة جديدة، أصبح لدى كثيرين عبئًا اقتصاديًا أو حلمًا مؤجلًا . فمنهم من تزوج تحت ضغط الواقع ثم وجد نفسه عاجزًا عن توفير متطلبات أسرته، ومنهم من يؤجل الزواج سنوات طويلة لأنه لا يملك تكاليفه الأساسية. وهكذا تحولت مراحل الحياة الطبيعية إلى تحديات ثقيلة تزيد من شعور الشباب بالإحباط.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من المسؤول عن هذا الواقع؟ إن تحميل جهة واحدة المسؤولية سيكون تبسيطًا لمشكلة معقدة. فالاحتلال وما فرضه من حصار وقيود طويلة الأمد لعب دورًا رئيسا في تدمير الاقتصاد وتعطيل التنمية، كما أن الانقسام السياسي الفلسطيني وانانية الفصائل وسوء تقديرها أضعف المؤسسات وأهدر فرصًا كثيرة، وفي المقابل يمكن القول أن هناك مسؤولية على مختلف الأطراف في الاتفاق السياسي وتوفير بيئة أفضل للشباب، ودعم التعليم، وخلق فرص العمل، وتشجيع الاستثمار، وتمكين الكفاءات من الإبداع والإنتاج.
إن جيل التسعينات في غزة ليس جيلًا كسولًا ولا فاقدًا للطموح، بل هو جيل وُلد في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا في العالم، ودفع ثمن ظروف لم يخترها. وما يحتاجه اليوم ليس الشفقة، وإنما الفرصة؛ فرصة للحياة الكريمة، وللعمل، وللسفر، ولتحقيق الأحلام التي تأجلت طويلًا. فالأمم لا تُبنى بإهدار طاقات شبابها، بل بتمكينهم، وبث الأمل فى نفوسهم ، وتعليمهم ثقافة الحوار والديموقراطية وتقبل الاختلاف والرأى الآخر ، لأنهم الثروة الحقيقية وأمل المستقبل مهما اشتدت الأزمات.

 *أكاديمي وكاتب