آراء

يا حادي العيس... أعد علينا نبوءة الغضب ..

18 مشاهدة
يا حادي العيس... أعد علينا نبوءة الغضب ..

الكاتب : يونس العموري 

يا حادي العيس ... يا حافظ اسرار الطرق القديمة، ويا من شهد ارتحال القوافل بين فجر الخليقة ومساء الممالك الغابرة، اعد علينا حكاية الغضب الاولى، تلك التي لم تدونها الواح بابل، ولم تحفظها خزائن الملوك، لكنها بقيت عالقة في ذاكرة الرمل، تتناقلها الرياح بين كثبان الصحراء كما تتناقل الامهات حكايات الوجع والانتظار... حدثنا عن ذلك النهار الذي توقفت فيه الجمال عن السير، لا لان الطريق انقطع، ولا لان الماء نضب من الابار، بل لان شيئا عميقا انكسر في روح القافلة، ولان ميزان الاشياء اختل حتى صار من اعتاد حمل الاثقال والسير في الفيافي  خلف من لم يعرف يوما اسرار الجهات ولا لغة النجوم ولا معنى الوصول ...

يقال ان الجمال يومها وقفت عند مشارف الصحراء صامتة، وكانت الشمس تدور فوق رؤوسها كشاهدة على حدث استثنائي لم تألفه القوافل منذ ان عرف الانسان الترحال، ثم تقدم اكبرها سنا واكثرها حملا للاعباء، وكان على ظهره غبار الطرق كلها، من سهول البلاد البعيدة حتى حدود الرمل الاخير، فقال لصاحبه .. يا سيدي، نحن الذين عبرنا بك مواسم القحط حين كانت السنابل شحيحة والمواقد باردة والريح تعوي حول الخيام، نحن الذين حملنا احلامك فوق ظهورنا يوم كانت احلامك اكبر من قدرتك واثقل من ايامك، نحن الذين سرنا بك في الفيافي والجبال والوديان، فلم نتذمر ولم نشك ولم نطلب ثمنا لوفائنا، لكننا اليوم نقف غضابا. فتعجب الرجل وقال .. وما الذي اغضبكم وقد وسعت عليكم في المرعى والماء والزاد والمبيت ..؟ فقال البعير العجوز، وكان في صوته صدى قرون طويلة من الحكمة والتعب.. صدقت يا سيدي فيما قلت، فما جاعت بطوننا ولا ظمئت حلوقنا، ولكن يؤلمنا ان نرى عشرين جملا تساق خلف حمار... فسكتت الصحراء كأنها تلقت نبوءة، وسكتت الجبال كأنها سمعت اعترافا مؤجلا منذ ازمنة بعيدة، ومضت الكلمات تتردد في الفضاء كجرس خفي يوقظ الذاكرة النائمة في صدور الامم... فمنذ فجر التاريخ لم تكن المآسي الكبرى تبدأ من الجوع وحده، ولا من قلة الزاد وحدها، بل كانت تبدأ حين تختلط المواقع وتتبدل المقامات ويصبح اصحاب الخبرة غرباء في مجلس القرار، ويجلس العابرون على مقاعد الحراس، ويتحول دليل الطريق الى تائه يبحث عمن يدله على وجهته...

اما الذئاب، فقد كانت هناك دائما. كانت تراقب من بعيد وهي تعلم ان القطيع الذي يختلف على راعيه يسهل اقتياده الى المصير الذي تريده... كانت هناك يوم احترقت المدن الاولى، ويوم سقطت اسوار الحضارات القديمة، ويوم تفرقت القبائل بين راية واخرى، ويوم ظنت الامم ان الذئب قد يمل من الافتراس فيتعلم الرعي ... لكن الذئاب لا تتغير يا حادي العيس، قد تبدل جلودها، وقد تستعير الف وجه والف اسم، لكنها تبقى وفية لغريزتها الاولى، لا تؤمن الا بلغة المخلب، ولا تفهم الا منطق القوة، ولا ترى في القطيع سوى وجبة مؤجلة تنتظر لحظة الغفلة المناسبة... وفي كل عصر يخرج من بين الناس من يظن ان الذئب يمكن اقناعه بالتخلي عن انيابه، وان الافتراس يمكن تهذيبه بالعهود والمواثيق، وان الطامع قد يكتفي ببعض المرعى وينسى ما تبقى منه، فيجلسون الى موائد التفاهم ويعيدون صياغة الكلمات ويبتكرون المعاني الجديدة للسلام، فيما الذئب ينظر اليهم بعين الجائع الذي يؤجل وجبته حتى تنضج اكثر... وهكذا تضيع السنوات بين الاوهام، ويتقلص المرعى شبرا بعد شبر، وتتراجع الحدود خطوة بعد خطوة، فيما تستمر الخطب في الحديث عن افق جديد وتعايش ممكن وحلول قادمة لا تأتي ابدا... 

ومن فوق الربوة العالية، حيث ترتفع الابراج المعزولة عن غبار الطريق وعن وجع السائرين، كان الحارس يراقب المشهد بعين مطمئنة... كان يظن ان الاسوار تكفي، وان الخرائط تحمي اصحابها، وان الذئاب يمكن احتسابها ضمن معادلات التوازن. لكنه لم يكن يسمع ارتجافة الخوف في اصوات الرعاة، ولم يكن يرى ظل الخطر المتمدد على اطراف الحقول، ولم يكن ينتبه الى ان المرعى الذي يتناقص كل يوم لا يعود كما كان مهما ازدحمت الكلمات وتكاثرت الوعود...

وفي مكان بعيد من الحكاية كان هناك فارس اقسم بعناقيد الغضب الا يصالح قبل ان تعود الاشياء الى مواضعها، وقبل ان يستعيد المقتول حقه في الذاكرة، وقبل ان تتوقف الامهات عن عد الغائبين واحدا واحدا. لم يكن يبحث عن ثأر اعمى، ولم يكن عاشقا للحروب، لكنه كان يعرف ان المصالحة التي تقوم فوق ركام البيوت ليست مصالحة، وان السلام الذي يولد من رحم الهزيمة ليس سلاما، وان العدالة لا يمكن ان تقف على قدم واحدة بينما القدم الاخرى غارقة في الدم... لذلك عاش مطاردا وطريدا، يسير بين الجبال والسهول حاملا قناعته كما يحمل المؤمن صلاته الاخيرة، لا يساوم عليها ولا يستبدلها بشيء...  ومضت السنوات، وتبدلت الوجوه، وتغيرت الرايات، لكن الوطن ظل واقفا كزيتونة عتيقة تضرب جذورها في اعماق التاريخ. مرت عليه جيوش لا تعد، وعبرت فوق ارضه امبراطوريات ظنت نفسها خالدة، وجاءه الغزاة من كل الجهات، بعضهم بالسيف وبعضهم بالكلمة وبعضهم بالوعد الكاذب، ثم رحلوا جميعا وبقي هو شاهدا على زوالهم. كان يعرف ان الزمن لا يحفظ اسماء العابرين بقدر ما يحفظ اسماء الذين دفعوا ثمن البقاء... لكن الوطن لم يكن يتألم من الغرباء وحدهم، بل من اولئك الذين خرجوا من بين جدرانه ثم عادوا اليه بملامح لا تشبهه، يتحدثون بلغته ولا يفهمون روحه، ويقسمون باسمه فيما هم يقتطعون من جسده قطعة بعد اخرى. كانوا يشبهون ظلالا هبطت على المكان من زمن آخر، لا تعرف الحقول رائحتهم ولا تتعرف عليهم التلال، وكأنهم ولدوا خارج ذاكرة البلاد ثم جاؤوا يطالبونها بالاعتراف بهم اوصياء على مصيرها... 

وهناك في المدينة العتيقة، عند الحجارة التي حفظت اسماء الانبياء والعابرين والثائرين، كانت طفلة تجلس امام بيت ينتظر الهدم. لم تكن تحفظ خطب الساسة، ولم تكن تقرأ كتب التاريخ، لكنها كانت تعرف بفطرتها ان البيت ليس حجرا، وان الجدار ليس اسمنتا، وان الوطن ليس شعارا يرفع في المناسبات. كانت ترى اباها يهدم جدران عمره بيديه فتشعر ان المدينة كلها تهدم معه، وكانت تسمع اصوات المتفرجين البعيدين فتدرك ان الصمت احيانا اشد قسوة من الجرافة نفسها.. فرفعت عينيها نحو السماء وسألت سؤالا ظل يتردد منذ اول دمعة سقطت على هذه الارض .. الى متى؟

 ومن اقاصي الشمال حتى تخوم الصحراء، كان الوجع واحدا وان اختلفت اسماؤه.. وجع شعب يرى احلامه تتراجع، ويرى لغته تحاصر، ويرى روايته تواجه الف رواية مزورة، لكنه مع ذلك يواصل التمسك بخيط الضوء الاخير. فالشعوب لا تعيش بالخبز وحده، ولا تحيا بالوعود وحدها، بل تعيش بما تحفظه في ذاكرتها من معنى ومن كرامة ومن يقين بان الليل مهما طال لا يستطيع الغاء الفجر... ولهذا ستظل الجمال تتذكر يوم غضبت، وستظل الذئاب تتربص عند حدود المرعى، وستظل المدينة العتيقة تحفظ اسماء ابنائها الحقيقيين، وسيظل ذلك الفارس يجوب التلال والوديان مقسما بعناقيد الغضب ان الحقيقة لا تموت، وان الزمن الذي ينحني امام القوة يعود يوما لينصف اصحاب الحق، وان الفجر الذي تأخر كثيرا لا بد ان ياتي، وعندها فقط ستفهم القوافل كلها لماذا توقفت الجمال ذات يوم عن السير، ولماذا قالت كلمتها التي بقيت تتردد في ذاكرة الرمل والتاريخ .. ليس الجوع ما يهين الامم، بل ان ترى عشرين جملا تساق خلف حمار...