ثقافة

سميح القاسم في ذكرى حضوره؛ صوت الأبد والبصيرة 

6 مشاهدة
سميح القاسم في ذكرى حضوره؛ صوت الأبد والبصيرة 

الكاتب : المتوكل طه

 

 ربما أنهى آخرَ ما كتب، وراجعه غير مرّة، لكنه اكتشف، فجأة، أن أحداً لا يقرأ الكامنَ خلفِ السطور..فتركه تحت النّدى الليليّ، لعله يورق بالوضوح، وينفتح وردةً، بحجم الشمس المشرقة.

***

يا سميح! يا صديقي الباقي!

لقد شهدنا لعبةَ المجزرة، ولمسنا التعاقدَ المسعورَ بين ولاياتِ الموت وكيانِ المذابح، وكان الحقُّ مزحةً وحشيّة، ولم نحظَ بعُزلةٍ مجيدةٍ تُضيءُ زراعتَنا الروحيّة، لأنّ الهواءَ الملغومَ فخّخته قوىً دموية وفاحشة.

وحُرِمنا من الفرح الذي يرتفع مثل السهام، فكانت بهجتُنا تسقطُ في عقولِ الجثث.. لكنَّ قلوبَنا لم تشعر بالملل..لأنها تغذّت على النار! فَقُمنا بتخصيبِ مشهدِنا بِجَمالٍ مُقاوِمٍ جديد، ليبدأ عهدُ الضوءِ السماويّ. وهيّأنا لصغارِنا نومَهم النقيَّ، وأحَطْناهم بالأغاني المُشرقة، وكان  لا بدّ لهذه المظلمةَ إلا أن تنتهيَ مثلَ الدخان.

 ومَن لا يريد أن يرتعش عليه أن يخطو. 

كان المطرُ عرقَنا، ودمُنا هو القوة، وألقينا أيدينا من السماءِ إلى الجحيم، وحاربنا سَحرةَ النومِ، والفنَّ المُضادَ، وقلوبَ الموتى، ووقفنا أمامَ الذين يُؤدّون الحِيَلَ ويستمرؤن الشبهَة، وأولئك الذين يتمتعون بجوّدةِ القسوة. 

كانت أفكارُنا تهربُ من وراءِ القضبان، وقلوبُنا ساخنةً مثل غيمةٍ ملتهبة، وتجاوزنا مرايا الغموض، التي لا يتألّق فيها أحد، وتجاوزنا الهاويةَ الداكنة.

لم نكن نريدُ أن نسحبَ أحداً إلى نهرِنا، غير أنَّنا كنّا في حربٍ مع التاريخِ، ومع جميع السلطاتِ التي تُقيمُ في أشكالٍ فاشيّةٍ ومخيفة، ومع ما يُقيّدُنا مع مخاوفِنا الخبيثة.. وأردنا لصورتِنا أن تكونَ ضدَ السماء الساكنة، لأن هدفَنا الأغلى والأعلى، كان وما زال هو قوّةُ الحقيقية، مثلما أردنا أن ننامَ، فقط، لنُسَلِّمَ أنفسَنا للحالمين. كما رغبنا أن نلتقي غزالةً نعصرُ خصرَها مثل الأكورديون..تحت زيتونةٍ تتربّعُ على عَرْشِها الأبديّ. 

باختصار؛ كانت لدينا قصتُنا القاسيةَ الرائعة، ويكفي أننا انتصرنا على مَن كان ينظر إلينا كأنه ينظرُ إلى خطيئته.. ذاك أنّ عينيه مليئتان بالسُّمِ والهجران، واستطعنا أن نتخلّص من النهايةِ الخائبةِ بعسلِ التَجذُّرِ والرِباطِ الشريف، وأن نُعلي صورتَنا النجميّةَ في كرنفالِ الانتفاضةِ الصوفيّة الفذّة، التي استطاعت أن تجمع البدرَ ليكتمل ويصلحَ للطقوسِ الأخيرة..لكنهم اعترضوا الأغنيةَ التي صدحت في قلوبنا، وأرادوا من التاريخ أن يسجّل أسماءَهم على صفحاتٍ لم يمهورها بوقودِ أولادِهم أو بخيالِهم غيرِ المتوازن، لهذا كلِّه كانت هذه الدادائية.

لم يأتِ أحدٌ ليجدَ أرضنا صِفراً، بل لديها إرثٌ باذخٌ، لم يتخثّر نُعمانُه، كصحنِ الجمر وبراعمِ الدمِ وسخونةِ البرق..لم نكن قطيعاً أو هائمين على السّراب، بل كانت لدينا حضارة تتجلّى فيها النجوم ويتصادى فيها الإبداع الخلّاق الشامل، فكان الساحل منارة للأُمم، مثلما كانت جبالنا أعراساً للطيور.

وأنت يا سميح من ساهمَ في تأصيلِ الغضب، ليصبحَ سبيكةً قادرةً على المواجهةِ، وحفظِ الذاكرة في المدارِك، وطردِ المجانية واللاشيء. 
***

الشاعرُ هو الكوكب الملتهب الذي انفتق عن السماء، وها هو يقذف حممَه المتفلتة من ثقل السائل، الذي رفّت عليه الروح!

يخرجُ، ويطلّ برأسه ليلتقي الغزالة اليانعة بدفئها السخيّ، ويفرد أطرافه الحجرية الراسخة، لتنبتَ عليها أشجار اللباء والطيور والزغب الحذِر الحُرّ.

ولا شأن له بحمأة البعيد المتفجّر، أو بالقريب المُستسلم، الذي لا يملك من اختراقه غير الإزاحة الجبرية، لتفثأه النار، أو تزلزله الفراغات برقصة العربيد الكونيّ.

وها هو مطمئن لقمّته وسفوحه وشجره المتوالد وأعشاشه وأوكار فرائه الآمنة. فماذا يريد بعد هذا؟ وهو الذي أمتلك مخروط البركان الفلقان، وعجينة الغريّن وحنّاء الطمي الأحلى.

لا يرقى لذروته غير نسغه، ولا ينمو على أكتافه غير ظلِّ الظليل وخيالِ العقاب الأشوس.

فمالَهُ ولهذه الوهاد المرنّقة بماء غيرها الآسن، أو بحجارة الهدم الزائدة، كأنها مكبٌّ لأظفار البهاء العالي؟ وماله ولتلك المُنبسطات التي يدحرجون على بطنها المُستباح عجلات فولاذهم الملهوف، للوصول إلى أكاليل الغار..كأنها قنطرة مكسورة تلقّتها الأرض، لتكون محطّاً للأخفاف وإيقاعات الذاهبين إلى شهوة التاريخ؟

هو ليس وادياً ليحمل دمع الغيم اليتيم، أو أسمالَ مَنْ قدّمتهم الأكواخ إلى منتهاهم العاجل. وليس صخرةً كبيرة للنبيّ الشاب الأثير، أو لمعاقبة ابن الآلهة الضال. الشاعر ذلك الصعود النافر كجرّةِ فلاحةٍ شابةٍ تمضي إلى نبعها الثّر، أو سهم رمى قلبَ الفراغ الكثيف فأصابه، فاطمأنّ إلى هذا الرمش الحديدي، وأبقاه ليظلّ شاهداً على عشق مُبهم مستحيل.

إنه لعبة التراب الشاهق مع غبش السماء، أو حنين الأرض الأبديّ إلى أمّها التي انسلخت عنها، لترقبها وتعبدها إلى أبد الداهرين.

فماله وهذا الحراك الواطئ الملهوف إلى قشرة الثمرة التي أكلها الطير وطار، وماله وهذا الرغاء الحاقد أو الساذج أو الراكض خلف الكيش بعد انتهاء مواسم الزيت والشتاء؟

***

 لهذا، ولغيره ممَّنْ يدركه العارفون الزاهدون، والذين اكتووا بأوار اللحظة الساقطة كالمتاع، فإنه قد أعلنَ، فَرِحاً راسخاً مطمئناً، انبتاته عن بيوت العنكبوت وحركات ابن آوى، وما تفعله الغولة في البنتِ، وقت العتمة، وانقطاعه، دون رجعة، عن آثام النمائم من المُحَبّرين عن الكَتبة والعاملين عند الأبواب، وقطع صلته بالباحثين نهاراً عن شمسهم وهم مُصطلون! إنه سيّد مدينة الآس وبلاد النجوم..فهو ملكها ومُغنّيها، وله النار والقلب وما يكتبون.

***

وفي حضوره أُعلن الخروج الحرّ الوجودي من المظلمة والاستلاب، وسخطي ضد مَنْ عبثوا في الروح والمدارك، ولعنتي على مَنْ تعبوا وارتخوا واستسهلوا الزّهر الذاوي.

والشاعر بداية البسيطة، ورقصة دورتها الكونيّة، لتشهد صوتاً آخر غير الصدى المهزوم، الذي يخيط أكفانه بيديه، وهو خرير الدم اليافع في الأضلاع لتستعيدَ عافية الفهد وأنفاس الندى وعناد الجُلنّار، وإنه انبعاث من الانكسار والتشظّي والركون إلى الخواء الفاسد.

وهذا ميلاد طائر الساحل الأسطوري، الذي أضرم عزيمته وإصراره لينطلق في فضاءات البراري والرياح، وهو صوت الأبد والبصيرة، وهيكل الحُلم المحروس والحقوق الأولى، وهو قرار النصر قبل المعركة، وميدان الحياة لأبناء الموج والحصاد والأغاني الصعبة المجروحة بالمناديل أو الحنين الذابح.

سميح! اسمٌ من أسماء فلسطين. ربّى الغابات والأنهار، وعشق النّحل والسنابل، وفاض بالحليب والنبض، ونقش على مداخلها سرديّة الحياة، ورفل بأزهارها، وحكى للأيقونة الغضّة ما ينبغي أن يُقال.

 فجأة، أحسستُ يداي أنهما غُصنا شجرة، وأنني جذع شجرة منزرعة في الأرض.. وبعد قليل، ستضرب جذوري أكثر في عمق الأرض، وستبرعم أصابعي وذراعاي، وستطلق أذناي وأنفي وبُصيلات شعري ورقاً..وسأصبح مثل الجميّزة الراسخة. 

وبدأ النسغ يصّاعد من أخمص قدمي، إلى جبيني وأطراف أصابعي..وأصبح جلد جسدي سميكاً وأكثر صلابة وخشونة..وها هو كتفي ينفتح ليخرُج غصن جديد، وتنشقّ خاصرتي ليطلع منها برعم جديد..وأطلّت الشمس بعد قليل، فعادت الطيور، وحطّت على القضبان الخضراء المتنامية، فيما بقيت عيناي فتحتين أعلى الجذع، تراقبان هذه الشجرة المُمرعة التي كادت تُغطي بجذوعها معظمَ ساحة الشبح، في السجن الغليظ. كنتَ، وقتها ، يا سميح، أنتَ ووفدٌ من الأدباء والكُتّاب العرب الفلسطينيين، تهتفون خارج أبواب السجن، تطالبون بإطلاق سراحنا، لنخرج من براثن القيود إلى فضاء الحرية، وأقسم أني سمعتك وأنت تقول: (سقراط هذا العصر يرفضُ كأسه، في ساحة التحقيق، في المنفى، أو السجن الذي سيصير يوماً مدرسة).

 

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية