الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
قرأت باهتمام قراءة الأخ الدكتور ياسر أبو بكر لاستطلاع أغسطس الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وأعتقد أن من حقنا، بل من واجبنا، أن نتوقف أمام هذه الاستطلاعات ونتائجها، لا بهدف التشكيك في المركز أو في نزاهة الباحثين، ولا بهدف رفض الأرقام لمجرد أنها لا توافق مواقفنا، وإنما بهدف طرح سؤال أوسع وأكثر أهمية: إلى أي حد تستطيع استطلاعات الرأي أن تنقل لنا حقيقة ما يدور في نفوس الناس، وإلى أي حد يجوز لنا أن نبني عليها قرارات سياسية ومواقف استراتيجية؟
أنا لا أرفض استطلاعات الرأي، وأدرك أهميتها كأداة لمعرفة اتجاهات المجتمع ومزاجه العام. لكنني أعتقد أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نقول: إن هذه هي الإجابة التي أعطاها المستطلعون، وبين أن نقول: إن هذه هي الحقيقة الموضوعية التي يؤمن بها المجتمع.
فإذا قال الاستطلاع مثلًا إن 79% يريدون استقالة الرئيس محمود عباس، فإن الحقيقة التي نستطيع إثباتها من الرقم هي أن 79% من أفراد العينة أجابوا بأنهم يريدون استقالته. أما لماذا أجابوا بذلك، فهذا سؤال آخر. هل أجاب كل واحد منهم بعد دراسة لأداء الرئيس وصلاحياته وسياساته ومسؤوليات المؤسسات المختلفة؟ هل كان لديه تصور واضح لما يجب أن يأتي بعده؟ هل موقفه مستقر أم هو تعبير عن غضب أو إحباط أو تجربة شخصية أو تأثر بحدث سياسي أو إعلامي؟ وهل يعرف أصلًا التفاصيل التي تمكنه من إصدار حكم سياسي موضوعي؟
أنا لا أقول إن هؤلاء لا يعرفون، ولا أملك دليلًا يسمح لي بالقول إن نسبة معينة منهم تفتقر إلى المعرفة أو الوعي. لكنني أقول إن الرقم نفسه لا يخبرنا بذلك. وهنا تكمن المسألة المنهجية التي أراها جديرة بالنقاش.
المواطن من حقه أن يقول ما يشاء، سواء كان رأيه مبنيًا على دراسة عميقة أو على تجربة شخصية أو على انطباع أو غضب أو معلومات ناقصة. والاستطلاع الجيد يسجل هذا الرأي كما عبّر عنه صاحبه. لكن المشكلة تبدأ عندما يأتي الباحث أو المفكر أو القائد السياسي، فيأخذ الرقم باعتباره حكمًا موضوعيًا نهائيًا على الواقع، ثم يبني عليه قرارًا سياسيًا. هناك فرق بين قياس الرأي وتقييم الحقيقة.
إذا قال 83% مثلًا إن هناك فسادًا في مؤسسات السلطة، فهذا يعني أن 83% من المستطلعين يرون أو يعتقدون بوجود فساد، لكنه لا يعني أن 83% من المؤسسات فاسدة، ولا يخبرنا مقدار الفساد، ولا أين هو، ولا من المسؤول عنه. وإذا قال 64% إن فرص قيام دولة فلسطينية خلال خمس سنوات ضئيلة أو معدومة، فهذا يقيس توقع الناس للمستقبل، لكنه لا يثبت أن فرص قيام الدولة فعلًا ضئيلة أو معدومة. وإذا قال 56% إنهم يؤيدون حل الدولتين، فهذا يعبر عن موقف معلن، لكنه لا يخبرنا من الرقم وحده عن مستوى معرفة كل مستطلع بتفاصيل حل الدولتين، أو الحدود، أو آليات الوصول إليه.
إذن علينا دائمًا أن نسأل: ماذا سأل الباحث؟ ماذا أجاب المواطن؟ وماذا يسمح لنا هذا الجواب أن نستنتج؟ وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما نقرأ تحليل الدكتور ياسر أبو بكر.
فالدكتور ياسر يقول، مثلًا، إن تراجع حماس لم يتحول تلقائيًا إلى صعود لفتح، وإن هناك قطاعًا متزايدًا من الجمهور يبتعد عن الثنائية التقليدية كلها. قد يكون هذا الاستنتاج صحيحًا، وقد يكون مؤشرًا مهمًا، لكن علينا أن نميز بين الرقم نفسه وبين التفسير السياسي الذي نبني عليه.
والأمر نفسه ينطبق على استنتاجه بأن المشكلة ليست في فكرة فتح ولا في تاريخها، وإنما في تجديد صورتها وأدائها وقيادتها وعلاقتها بالناس. هذا استنتاج سياسي يمكن مناقشته، لكن لا ينبغي أن ننسبه إلى الاستطلاع نفسه وكأنه النتيجة المباشرة له.
بل إنني أعتقد أن علينا أن نكون أكثر حذرًا عندما نقرأ مكانة الأخ مروان البرغوثي في الاستطلاعات. فشعبيته ورمزيته الوطنية أمر لا يمكن إنكاره، لكن علينا ألا ننتقل تلقائيًا من شعبيته الشخصية إلى القول إن ذلك يثبت أن الرصيد الوطني لحركة فتح أكبر من مستوى تأييدها الحزبي المباشر. هذا استنتاج يحتاج إلى قراءة جميع الأسئلة والنتائج ذات الصلة، وليس رقمًا واحدًا.
وأنا هنا لا أختلف مع الدكتور ياسر بالضرورة في استنتاجاته السياسية، وإنما أختلف معه في درجة الثقة التي ينبغي أن نمنحها للأرقام عندما تتحول من مؤشرات إلى أحكام نهائية.
هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية: الرأي العام متغير. الفلسطيني يعيش في بيئة شديدة الاضطراب؛ حرب، واحتلال، واستيطان، وحصار، وأزمات اقتصادية، وانقسام سياسي، وأحداث متلاحقة. وما يقوله الإنسان اليوم قد يتغير غدًا تحت تأثير حدث جديد أو معلومة جديدة أو تجربة جديدة.
وهذا لا يعني أن الاستطلاع غير دقيق. ربما يكون دقيقًا جدًا في وصف مزاج الناس في اللحظة التي أُجري فيها. لكن دقة وصف مزاج اللحظة لا تعني بالضرورة أن هذا المزاج يمثل حقيقة ثابتة ومستقرة، ولا أنه يصلح وحده لتحديد مستقبل شعب أو اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى.
ومن هنا أعتقد أن الخطأ ليس في أن نسأل الناس، بل في أن نخلط بين ما يقوله الناس وبين الحقيقة الموضوعية، ثم نخلط بين الحقيقة الموضوعية وبين القرار السياسي الصحيح.
فالاستطلاع يمكن أن يخبرنا بما يفكر فيه الناس أو بما يقولون إنهم يفكرون فيه. لكنه لا يستطيع، بمفرده، أن يخبرنا لماذا يفكرون بهذه الطريقة، ولا مدى معرفتهم بالموضوع، ولا مدى ثبات مواقفهم، ولا ما إذا كان الخيار الذي يفضلونه هو بالفعل الخيار الأكثر صوابًا أو قدرة على تحقيق مصالحهم.
ولهذا فإنني لا أعتقد أن الاستطلاعات ينبغي أن تكون مرفوضة، وإنما أعتقد أنه ينبغي أن توضع في مكانها الصحيح. هي أداة من أدوات المعرفة، وليست المعرفة كلها. وهي مؤشر من مؤشرات الرأي العام، وليست حكمًا نهائيًا على الحقيقة. وهي تساعد القيادة على سماع الناس، لكنها لا تعفي القيادة من مسؤولية التفكير والتحليل واتخاذ القرار.
وهنا أعود إلى فتح تحديدًا. إذا قال الاستطلاع إن نسبة التأييد لفتح كذا، أو إن نسبة كبيرة من الفلسطينيين تريد تغييرًا سياسيًا، فهذه رسالة ينبغي أن نسمعها باهتمام، لكن لا يجوز أن نكتفي بالرقم. علينا أن نسأل: لماذا تراجعت الثقة؟ لماذا ارتفعت؟ ما أسبابها؟ ما الذي يريده الناس تحديدًا؟ هل يريدون تغيير الأشخاص أم تغيير السياسات؟ هل يريدون إصلاح المؤسسة أم تغيير النظام السياسي كله؟ وهل لديهم تصور واضح للبديل؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها النسب المئوية وحدها.
ولذلك، فإنني أتفق مع الدكتور ياسر في أن على فتح أن تستمع إلى شعبها، وأن تراجع أداءها، وأن تعيد بناء علاقتها بالناس، وأن تستعيد موقعها كحركة تحرر وطني، لا أن تختزل نفسها في إدارة السلطة. لكنني أضيف شيئًا: لا يكفي أن نقرأ الأرقام؛ يجب أن نقرأ ما وراء الأرقام.
ولا يكفي أن نعرف ماذا قال الناس؛ يجب أن نفهم لماذا قالوه، وما الذي يريدونه فعلًا، وما الذي يمكن أن يكون رأيًا عابرًا وما الذي يمثل قناعة راسخة.
وفي النهاية، لا أريد أن يتحول حديثي إلى اتهام لمراكز الاستطلاع أو للباحثين، ولا إلى رفض للمنهج العلمي. على العكس، أنا أدعو إلى استخدام الاستطلاعات بصورة أكثر علمية ومسؤولية، وإلى عدم تحميلها ما لا تحتمل.
فالاستطلاع الجيد يستطيع أن يقول لنا: ماذا قال الناس؟ أما مهمة الباحث فهي أن يسأل: لماذا قالوا ذلك؟ ومهمة المفكر أن يبحث: ماذا يعني ذلك؟ ومهمة القيادة أن تقرر: ماذا ينبغي أن نفعل؟ وهذه المراحل الأربع لا يجوز أن تختصر في رقم واحد.
لذلك، فإنني أرى أن استطلاع أغسطس مهم ويستحق القراءة، وقراءة الدكتور ياسر تستحق النقاش، لكن الأهم من الاثنين هو أن نتعلم كيف نستخدم استطلاعات الرأي: لا لكي نستبدل بها عقولنا، وإنما لكي نضيف بها إلى معرفتنا.
فالشعب ليس مجرد نسبة مئوية في جدول، والإنسان ليس مجرد إجابة على سؤال. وراء كل رقم إنسان، له تجربته، ووعيه، ومخاوفه، ومعلوماته، وانفعالاته، وآماله. ولهذا فإن احترام رأي الناس لا يعني فقط أن نسألهم، وإنما يعني أيضًا أن نحسن فهم إجاباتهم، وألا نحولها إلى حقائق أكبر مما تحتمل.
نسمع الناس، نعم، ونحترم الأرقام، نعم، لكن لا نسلّم عقولنا للأرقام.
لأن السياسة في النهاية ليست استطلاعًا للرأي، وإنما مسؤولية في فهم الواقع، وتشخيص أزماته، ومعرفة مصالح الناس، ثم اتخاذ القرار الذي نعتقد أنه يخدم الوطن، حتى عندما لا يكون ذلك القرار هو الأكثر شعبية في لحظة معينة.
وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية القيادة، وهنا أيضًا تكمن قيمة التفكير السياسي الحقيقي.
*اسير محرر ومبعد يقبع في القاهرة

