محافظات-واثق نيوز-وكالات-في مشهد يتجدد يومياً، لا يقتصر الاحتلال الإسرائيلي على السياسات الإدارية والقانونية فحسب، بل يمتد ليشمل اقتحامات يومية للقرى والتجمعات البدوية، ينفذها المستوطنون المسلحون بحماية عسكرية مباشرة، تتخللها الاعتداءات الجسدية على المواطنين، وإطلاق النار في الأحياء السكنية، وإجبار العائلات على النزوح من بيوتها تحت وطأة التهديد .
وتتزامن هذه الاقتحامات مع حملات ممنهجة لسرقة الأغنام والماشية من المراعي، وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار المثمرة، خاصة في مناطق الأغوار ومسافر يطا والخليل، حيث تُعد الثروة الحيوانية المصدر الوحيد للصمود. كما تُصادر الآبار والعيون المائية، وتُقطع شبكات المياه عن التجمعات البدوية، لتصب في المستوطنات والمزارع الاستيطانية، في سياسة واضحة لتجفيف منابع الحياة، ودفع السكان نحو الهجرة القسرية.
وفي الوقت نفسه، تتسارع وتيرة ضم الضفة الغربية عبر مشروع استيطاني غير مسبوق، يوثقه تقرير جديد لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية، ويؤكد الخبير بشؤون الاستيطان ساهر خليلية أن حكومة بنيامين نتنياهو أقرت بنفسها أنها جاءت تحت شعار "ثورة استيطانية". فمنذ فبراير/شباط 2023، قررت الحكومة إنشاء 9 مستوطنات عبر تسوية أوضاع 10 بؤر استيطانية، ثم غيّرت في يونيو/حزيران 2023 آلية التخطيط الاستيطاني، وألغت الحاجة لموافقة وزير الجيش على كل مرحلة، مما أتاح تسريع إقرار المخططات. وفي يوليو/تموز 2024، حوّلت 5 بؤر إلى مستوطنات، وعقد مجلس التخطيط الأعلى اجتماعات أسبوعية لتسريع البناء. وتوالت القرارات: في مارس/آذار 2025، تحويل 13 تجمعا استيطانياً إلى مستوطنات مستقلة؛ وفي مايو/أيار 2025، الإعلان عن 22 مستوطنة جديدة؛ وفي أغسطس/آب 2025، إقرار 3,400 وحدة استيطانية في منطقة "إي 1" الإستراتيجية، ونشر مناقصة بنائها، إلى جانب إنشاء 19 مستوطنة جديدة؛ وفي مارس/آذار 2026، إقرار 34 مستوطنة إضافية. وقد ارتفع عدد البؤر الاستيطانية إلى أكثر من 360 بؤرة، تسيطر مع المستوطنات على أكثر من مليون و100 ألف دونم، أي ما يزيد عن 22% من مساحة الضفة الغربية. وفي القدس المحتلة، تم إقرار أكثر من 34 ألف وحدة استيطانية، إضافة إلى 78 ألفاً في باقي الضفة، ليصبح المجموع 112 ألف وحدة خلال 3 سنوات فقط.
لكن الأخطر، وفقاً لخليلية، هو تحويل هذا التوسع إلى مشروع سياسي متكامل، حيث تم تغيير القوانين لمنح مجلس المستوطنات صلاحيات تخطيطية وعمرانية، مما جعله يسيطر على نحو 80% من مناطق "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. ويتم تمديد شبكات الطرق الالتفافية وربط المستوطنات بعضها ببعض، لتقطيع الامتداد الجغرافي الفلسطيني إلى كانتونات معزولة، في مقابل بناء تواصل استيطاني متصل. والأكثر خطورة، كما يحذر خليلية، هو أن المستوطنين يخططون لإنشاء "كيان حكم ذاتي مستقل للمستوطنين في الضفة الغربية"، يتمتع بصلاحيات توسعية وعمرانية واقتصادية، بل وقد بنوا له جيشاً خاصاً بهم، يتقدم الجنود في تنفيذ الاعتداءات على الفلسطينيين، من قطع الأشجار ومصادرة الأراضي، إلى هدم المنشآت الزراعية والرعوية، ومنع المزارعين من قطف الزيتون، وسرقة الماشية، والاستيلاء على ينابيع المياه، خاصة في التجمعات البدوية في الأغوار ومسافر يطا، حيث تُهدم الخزانات والآبار بحجة عدم الترخيص.
ويؤكد الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي أن هدف الحكومة الحالية هو الضم والتهويد، مستغلة ما تعتبره "فرصة تاريخية"، عبر استخدام عصابات المستوطنين والمنظمات الاستيطانية لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم للنزوح. ويتولى وزير المالية الاسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش قيادة هذا المشروع، معلناً في مقابلة سابقة أن الحكومة تسابق الزمن لتقنين أوضاع أكبر عدد من البؤر والمزارع الاستيطانية قبل أي انتخابات مقبلة، لجعل إخلائها شبه مستحيل أمام أي حكومة مستقبلية قد تتبنى نهجاً مختلفاً .
وتذهب صحيفة "هآرتس" إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن ما تشهده الضفة يتجاوز التوسع الاستيطاني، ليمثل مشروعاً منظماً لإعادة رسم الخريطة السياسية والجغرافية، بما يقوض نهائياً إمكانية حل الدولتين. وقد حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن هذه الخطط، إلى جانب العمليات العسكرية المتصاعدة، تهدد بتقويض قيام دولة فلسطينية وحق الشعب في تقرير المصير، في ظل صمت دولي متزايد أمام هذا التسارع الخطير الذي يحول الضفة تدريجياً إلى كيان استيطاني مغلق، يُنهب فيه الإنسان والأرض والماء في مشهد يومي ينذر بتصفية القضية الفلسطينية من جذورها.

