محليات

تقرير : قصرة... من الاعتداء الخاطف إلى الحصار الاستعماري الممتد

57 مشاهدة
تقرير : قصرة... من الاعتداء الخاطف إلى الحصار الاستعماري الممتد

نابلس-واثق نيوز-لم يعد استهداف المنازل الفلسطينية الواقعة على أطراف القرى يقتصر على هجوم عابر أو اعتداء ليلي، بل أخذ يتحول إلى أسلوب منظم لفرض الحصار وعزل العائلات وقطع مقومات الحياة عنها، تمهيداً لدفعها إلى الرحيل والاستيلاء على المكان. وهذا ما يحدث في منطقة جبل رأس العين في بلدة قصرة جنوب نابلس، حيث يحاصر المستعمرون ثلاثة منازل فلسطينية، في محاولة لتحويل وجودهم المؤقت أمام أبوابها إلى بؤرة استعمارية دائمة.

حسب ما افادت به هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بدأ الحصار المباشر يوم الأحد 9 آب 2026، عندما أقام المستعمرون خيمة ومنشآت مؤقتة بين منازل تعود لعائلات يوسف عبد السلام ورزق أبو ريدة ولؤي أبو ريدة. ثم أغلقوا الطرق المؤدية إليها بالحجارة، ومنعوا السكان من الدخول والخروج واستقبال الزوار، وعرقلوا وصول الغذاء والمياه والأدوية، بالتزامن مع قطع خطوط المياه والكهرباء.
 وحسب ما ذكر الاهالي، فأن محاولات اقتحام المنازل والاستيلاء عليها بدأت قبل نحو أربعة أشهر، ما اضطر أفراد العائلات إلى التناوب على الإقامة فيها لمنع بقائها خالية.

داخل أحد المنازل المحاصرة يوجد قصي أبو ريدة، ونجله أحمد وأفراد آخرون من العائلة، بينما يعود المنزل إلى شقيقه لؤي عبد المنعم أبو ريدة، المقيم في الولايات المتحدة ويحمل الجنسية الأميركية. وقد منعت العائلة خلال أيام الحصار من الحركة الطبيعية والوصول إلى احتياجاتها الأساسية، ولم تتمكن سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر من الوصول إلى المنطقة إلا لإخلاء طفلة احتاجت إلى الرعاية الطبية وإدخال كمية من الطعام، وفق ما أوردته تغطية صحفية إسرائيلية استندت إلى إفادات العائلة وتسجيلات كاميرات المراقبة.

التغطية الدولية قدمت توثيقاً مستقلاً للواقعة.فالبؤرة أقيمت مباشرة أمام ثلاثة منازل فلسطينية، وسكانها أصبحوا محاصرين فعلياً. كما راجعت الوكالة تسجيلات أظهرت المواجهة التي وقعت عندما حاول جيش الاحتلال تفكيك الخيمة، قبل أن ينسحب من الموقع، ليعود المستعمرون بعدها إلى محاولة كسر بوابة أحد المنازل ورشق محيطه بالحجارة.

وأكد مصور تابع لوكالة الصحافة الفرنسية وجود المستعمرين في الموقع بعد انسحاب القوات الاسرائيلية، رغم إزالة جزء من المنشآت المؤقتة. ونقل عن قصي أبو ريدة أن العائلة بقيت محرومة من الغذاء والأدوية، وأنها اعتمدت على الألواح الشمسية للحصول على قدر محدود من الكهرباء. وبذلك لم يؤدِّ التدخل العسكري إلى إنهاء الحصار، إذ أُزيلت الخيمة جزئياً، بينما بقي المستعمرون عند مداخل المنازل واستمرت القيود المفروضة على العائلات.

وأقر جيش الاحتلال نفسه بأن إقامة البؤرة والسيطرة على المنازل والأراضي في المنطقة تمثل نشاطاً غير قانوني يمس السكان ويعطل حياتهم اليومية، وأعلن المكان «منطقة عسكرية مغلقة». لكن الإقرار بعدم قانونية الفعل لم يتحول إلى حماية فعلية للعائلات أو إزالة كاملة للمستعمرين. وبدلاً من إعادة فتح الطرق وتأمين وصول السكان، انتهت محاولة الإخلاء بانسحاب القوات وبقاء الحصار قائماً، ما يكشف الفجوة بين الموقف المعلن والسلوك التنفيذي على الأرض.

استهداف الموقع قبل المنزل ..

لا تنفصل محاولة السيطرة على المنازل عن أهمية جبل رأس العين الجغرافية. فالمنطقة تقع ضمن المنطقة المصنفة (ب) وفق اتفاق أوسلو، ويبلغ ارتفاعها نحو 930 متراً عن سطح البحر، وتشرف على مساحة واسعة وتتوسط عدداً من القرى جنوب نابلس. ووفق رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي، حاول المستعمرون إقامة بؤرة استعمارية في الموقع ثماني مرات، إلا أن الأهالي أفشلوا تلك المحاولات.

هذه المعطيات توضح أن المنازل ليست هدفاً منفصلاً، بل تمثل عائقاً أمام السيطرة على موقع مرتفع وذي أهمية مكانية. وتبدأ الآلية بإقامة خيمة، ثم فرض وجود دائم حولها، وإغلاق الطريق، وقطع الخدمات، ومنع التضامن والوصول، وصولاً إلى خلق ظروف معيشية يستحيل استمرارها. وعند رحيل العائلة تتحول السيطرة الفعلية إلى نقطة انطلاق لتمدد استعماري أوسع.

وقد ظهر هذا النموذج قبل أسابيع قليلة في قرية جالود المجاورة، عندما استولى المستعمرون في 22 تموز/يوليو على منزل محمود الطوباسي، بعد حصاره لأكثر من ثلاثة أشهر. ووفق «وفا»، أقام المستعمرون بؤرة قرب المنزل وقطعوا عنه الكهرباء وأغلقوا الطريق أمام الغذاء والمياه والأدوية، إلى أن اضطرت العائلة إلى مغادرته. ولذلك لا يمثل استحضار تجربة جالود مجرد مقارنة، بل تحذيراً من النتيجة التي يمكن أن يصل إليها حصار منازل قصرة إذا لم يُنهَ سريعاً.

كما يأتي حصار المنازل بعد أقل من أسبوعين على إحراق مسجد الرحمة قيد الإنشاء في قصرة في 26 تموز/يوليو. وقد وثق الاعتداء والشعارات الانتقامية التي كُتبت على جدرانه، في سياق تصاعد الهجمات الاستعمارية على البلدة.

تكشف واقعة قصرة تحولاً خطيراً من الاعتداء الخاطف إلى الحصار الاستعماري الممتد؛ فالهدف لم يعد تنفيذ هجوم ينتهي بانسحاب المعتدين، بل إنشاء حالة دائمة من التضييق حول المنزل، تبدأ بإقامة خيمة أو نقطة استعمارية ملاصقة له، ثم إغلاق الطريق المؤدي إليه، وقطع المياه والكهرباء، ومنع وصول الغذاء والدواء، وعزل العائلة عن محيطها الاجتماعي. وبهذه الوسائل يتحول الاعتداء من فعل عنيف ومحدود زمنياً إلى عملية استنزاف يومية، تستهدف جعل الحياة داخل المنزل مستحيلة، ودفع أصحابه إلى مغادرته تحت وطأة الخوف والعزلة والحرمان.
 إننا أمام أسلوب للتهجير القسري البطيء لا يبدأ بقرار إخلاء معلن، وإنما بصناعة بيئة طاردة تتراكم فيها الضغوط إلى أن يصبح الرحيل نتيجة مفروضة، ثم يُقدَّم المنزل الخالي باعتباره مساحة متاحة للسيطرة وإقامة واقع استعماري جديد.

وتقدم تجربة عائلة محمود الطوباسي في قرية جالود نموذجاً مكتملاً لما يمكن أن ينتهي إليه هذا المسار. فقد بدأ الأمر بإقامة بؤرة استعمارية قرب منزل العائلة، ثم فُرض عليه حصار استمر أكثر من ثلاثة أشهر، تخلله إغلاق الطريق وقطع الكهرباء ومنع وصول الغذاء والمياه والأدوية، إلى جانب الاعتداءات المتكررة على المنزل وأفراده، حتى اضطرت العائلة إلى مغادرته، قبل أن يستولي المستعمرون عليه في 22 تموز/يوليو 2026. لذلك لا تمثل جالود واقعة منفصلة عن قصرة، بل سابقة تحذيرية تكشف مراحل الخطة وغايتها: تبدأ الخيمة على مقربة من المنزل، ثم يتحول الوجود الاستعماري إلى حصار، والحصار إلى تهجير، والتهجير إلى استيلاء دائم. ومن هنا تكتسب حماية منازل رأس العين أهمية تتجاوز العائلات الثلاث؛ لأنها تمثل مواجهة مبكرة مع محاولة استنساخ نموذج الطوباسي، وتحويل السيطرة على عدد محدود من المنازل إلى نقطة ارتكاز للتمدد الاستعماري على أراضي قصرة ومحيطها.

لم تعد اعتداءات المستعمرين أفعالاً متفرقة أو انفجارات عشوائية للعنف الإرهابي، بل تطورت إلى منظومة من الإرهاب الموجّه تستخدم أدوات متكاملة لاستهداف الإنسان الفلسطيني وممتلكاته ومصادر بقائه في المكان. وتشمل هذه الأدوات إطلاق النار والاعتداء الجسدي، وإحراق المنازل والمركبات والحقول، واقتلاع الأشجار، وسرقة المواشي أو الاعتداء عليها، وتخريب المزروعات وشبكات المياه، وإغلاق الطرق ومهاجمة القرى بصورة منظمة. ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستعمرون خلال الألف يوم الممتدة من 7 تشرين الأول 2023 حتى 30 حزيران 2026 ما مجموعه 12,506 اعتداءات، تسببت باستشهاد 52 مواطناً، وإشعال 890 حريقاً طالت ممتلكات المواطنين وحقولهم؛ وهي أرقام تكشف أن الحريق وإطلاق النار والتخريب لم تعد وسائل ترهيب عرضية، بل أدوات متكررة ضمن نمط واسع ومنظم.

وعلى اختلاف أشكالها، تؤدي هذه الأدوات وظيفة واحدة: تفكيك شروط البقاء الفلسطيني على الأرض. فإحراق الحقول والمزروعات يستهدف الأرض وإنتاجيتها، وسرقة المواشي تضرب مصدر رزق العائلات الريفية والرعوية، وإطلاق النار والاعتداءات المتكررة يفرضان الخوف ويقيدان الحركة، بينما يؤدي تخريب الطرق وشبكات المياه والكهرباء إلى عزل التجمعات وإضعاف قدرتها على الصمود. ولا يقف الإرهاب هنا عند حدود إلحاق الضرر، بل يعمل على إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن ومكانه؛ بحيث تصبح الزراعة محفوفة بالخطر، والرعي متعذراً، والطريق غير آمن، والمنزل نفسه محاطاً بالتهديد. وبذلك يتحول العنف إلى أداة استعمارية وظيفتها إخلاء المساحة الفلسطينية تدريجياً، تمهيداً لملئها بالبؤر والطرق ومناطق السيطرة الاستعمارية.

ويمثل حصار المنازل المرحلة الأكثر تطوراً في هذا المسار؛ لأنه يجمع الأدوات السابقة كلها في عملية استنزاف ممتدة: تطويق البيت، وإغلاق الطريق، وقطع الماء والكهرباء، ومنع الغذاء والدواء، وتهديد السكان، وإقامة خيمة أو بؤرة ملاصقة لهم إلى أن تصبح الحياة مستحيلة. وما يجري في قصرة ليس معزولاً عن تجربة عائلة محمود الطوباسي في جالود، حيث انتهى حصار دام أكثر من ثلاثة أشهر، رافقته اعتداءات متكررة وقطع للخدمات ومنع للإمدادات، بإجبار العائلة على مغادرة منزلها واستيلاء المستعمرين عليه في 22 تموز 2026. وهكذا لا يحل حصار المنازل محل الحريق والسرقة وإطلاق النار، بل يدمجها في صيغة أشمل: يبدأ المسار بإرهاب العائلة، ثم استنزاف قدرتها على البقاء، وينتهي بتحويل الرحيل القسري إلى استيلاء دائم وواقع استعماري جديد.

وتكتسب الواقعة خطورتها ضمن تصاعد شامل؛ فقد سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خلال تموز 2026 ما مجموعه 2,256 اعتداءً نفذها جيش الاحتلال والمستعمرون، بينها 798 اعتداءً نفذها المستعمرون. غير أن الأرقام وحدها لا تكشف التحول النوعي الذي تمثله قصرة: استخدام الحصار وقطع الخدمات وإغلاق الطرق كسلاح هادئ لإزاحة السكان عن أرضهم، وتحويل البيت الفلسطيني نفسه إلى خط المواجهة الأول مع مشروع التوسع الاستعماري.

يكشف ما يجري في قصرة محاولة منظّمة لتحويل إرهاب المستعمرين إلى أداة للتهجير والاستيلاء على الأرض، فيما تقدم تجربة عائلة الطوباسي في جالود دليلاً واضحاً على مسار يبدأ بتطويق المنزل واستنزاف ساكنيه، ثم ينتهي بإخلائه والسيطرة عليه وإقامة واقع استعماري جديد. وتفرض هذه السابقة تحركاً عاجلاً لحماية العائلات المحاصرة، وفتح الطرق، وإعادة الخدمات، وإزالة البؤرة الاستعمارية بصورة كاملة وفورية. وتتحمل دولة الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة عن جرائم المستعمرين وعن الحماية والحصانة اللتين توفرهما لهم، بينما يمنح الصمت الدولي المعتدين مساحة أوسع لتكرار هذا النموذج. إن حماية منازل قصرة اليوم تحول دون استنساخ تجربة جالود، وتصون الوجود الفلسطيني في جبل رأس العين؛ فحماية البيت هنا هي حماية للأرض ومواجهة مباشرة لمخطط التهجير القسري .