آراء

 اشتقت الى بيروت .. 

99 مشاهدة
 اشتقت الى بيروت .. 

الكاتب : يونس العموري

اشتقت الى بيروت اليوم. لا اعرف لماذا جاءتني بهذا الوضوح، ولا ما الذي استدعى كل هذا الحنين دفعة واحدة. ربما هي صورة عابرة، او اسم مر امامي، او صوت قديم، او ربما لا شيء على الاطلاق. فقط شعرت انني اريد بيروت. اريدها كما عرفتها، وكما كتبت عنها كثيرا، وكما عشتها في عشرات الزيارات منذ منتصف التسعينات. ولست اكتب عنها اليوم للمرة الاولى، فقد كتبت عن بيروت كثيرا، لكن الكتابة عنها اليوم مختلفة. اليوم لا اريد ان اشرح بيروت ولا ان اصفها. اليوم اريد فقط ان اقول انني اشتقت اليها... 

اشتقت الى اصدقائي وصديقاتي في بيروت، الى تلك الوجوه التي لم تكن مجرد رفقة عابرة، بل كانت جزءا من بيروت التي عشتها. اشتقت الى الجلسات التي كانت تبدأ من سؤال صغير ثم تنتهي بنا الى سؤال اكبر من قدرتنا جميعا على الاجابة. اشتقت الى كأس النبيذ في ليل بيروت، لا باعتباره كأسا، بل باعتباره تفصيلا صغيرا في طقس كامل من الكلام والضحك والاختلاف والتأمل. كنا نشرب ونتحدث ونختلف، ثم نعود فنضحك على ما اختلفنا عليه، وربما ضحكنا احيانا بلا سبب، وهذا بالذات ما يجعلني اشتاق. كانت هناك ضحكات لا تحتاج الى معنى، كما كانت هناك نقاشات تبحث عن معنى لكل شيء... 

اشتقت الى بيروت حين كانت الجلسة فيها يمكن ان تكون مختبرا للفكرة. فكرة في السياسة، ثم فكرة في الشعر، ثم حكاية شخصية، ثم سؤال عن الحياة، ثم خلاف حاد، ثم صمت قصير، ثم ضحكة تقطع كل شيء. اشتقت الى ذلك النوع من الحوار الذي لا يريد ان ينتصر فيه احد، بل يريد الجميع ان يكتشفوا شيئا جديدا. اشتقت الى حواراتي في بيروت، الى تلك الساعات التي كان الكلام فيها يبدو وكأنه لا يريد ان ينتهي، والى الاسئلة التي كنت اطرحها على الاخرين وعلى نفسي، والى ذلك الشعور الذي كان يجعلني اخرج من جلسة طويلة وانا لا اعرف ان كنت وجدت اجابة ام وجدت سؤالا جديدا. الى السهرات التي كنا نختلف فيها حتى التعب، ثم نكتشف اننا ما زلنا نريد ان نجلس اكثر. الى بيروت التي كانت تعرف كيف تجمع المتناقضات على طاولة واحدة .. شاعر الى جانب سياسي، كاتب الى جانب صحفي، مثقف الى جانب انسان لا يدعي الثقافة، وامرأة تحمل سؤالها الخاص الى جانب رجل يحمل اجابته التي قد لا تكون صحيحة... 

اشتقت الى بيروت السفير. الى تلك بيروت التي كانت تعرف ان الصحيفة يمكن ان تكون اكثر من ورق، وان الكلمة يمكن ان تكون نافذة، وان الصحافة ليست مجرد مهنة حين تكون المدينة نفسها تعيش على حافة السؤال. اشتقت الى بيروت التي كانت السفير فيها جزءا من صباحها وذاكرتها، الى بيروت التي كانت الصحيفة فيها مكانا للجدل والاختلاف والحلم، وحيث كانت الكلمة تأخذ نفسها على محمل الجد، حتى حين يختلف اصحابها في كل شيء تقريبا... 

واشتقت الى بيروت المخيم. الى صبرا وشاتيلا، الى برج البراجنة، الى عين الحلوة، الى المخيم بوصفه اكثر من مكان للفلسطينيين. اشتقت الى ذلك الجزء من بيروت الذي كان يحمل وجعا فلسطينيا لا يحتاج الى كثير شرح، والى تلك العلاقة المعقدة بين المدينة والمخيم، بين اللبناني والفلسطيني، بين الذاكرة والواقع، بين الحضور والمنفى. هناك كانت فلسطين تمشي في الشوارع باسماء مختلفة، وكانت الحكاية الفلسطينية تجد لنفسها مكانا في مدينة لم تكن يوما بسيطة في علاقتها بفلسطين، ولا فلسطين بسيطة في علاقتها بها... 

واشتقت ايضا الى انثى بيروت. الى تلك المرأة التي رأيتها دائما واقفة في وجه الخراب، لا تنكر وجعها ولا تسمح له ان يهزمها. اشتقت الى بيروت المرأة، القادرة والصامدة، التي تعلن عن ذاتها من دون خوف، وتتشبث بحقها في الحياة كما لو ان الحياة حق شخصي لا يجوز لاحد ان ينتزعه منها. اشتقت الى امرأة بيروت وهي تمشي في شوارعها مرفوعة الجبين، تعرف ان المدينة موجوعة، وان الذاكرة ثقيلة، وان الخراب مر من هنا كثيرا، لكنها لا تسمح لكل ذلك ان يجعلها تنحني. امرأة تعرف وجعها، وتعرف قوتها، وتعرف ان تكون جميلة من دون ان تعتذر عن جمالها، وقوية من دون ان تتخلى عن رقتها، ومجروحة من دون ان تتحول الى ضحية. ربما هذه الانثى هي واحدة من اكثر الصور التي بقيت في داخلي عن بيروت؛ مدينة تقول، بكل ما فيها من تناقض، انها لن تتخلى عن حقها في ان تعيش... 

اشتقت الى بيروت التجربة. تلك التي لا تعطيك جوابا جاهزا عن شيء. تدخلها بفكرة وتخرج منها بفكرة اخرى، تدخلها وانت تظن انك تعرف، وتخرج منها وانت تعرف انك لا تعرف بما يكفي. بيروت لم تكن مدينة للزيارة فقط، كانت تجربة. تجربة في العيش، وفي الاختلاف، وفي الحرية، وفي الحب، وفي الخسارة، وفي اكتشاف الذات من خلال الاخرين. وربما لهذا كانت بيروت قادرة على ان تترك في زائرها شيئا لا يتركه مكان اخر بسهولة... 

واشتقت الى بيروت الحلم. الى المدينة التي كانت تقول لك، من دون ان تتكلم، ان العالم يمكن ان يكون اقل ضيقا مما يبدو. مدينة صغيرة ومزدحمة ومتناقضة ومثقلة بتاريخها، لكنها كانت قادرة على ان تجعل الحلم ممكنا. لم تكن بيروت مثالية، ولم تكن كذلك يوما، وربما كان جمالها في انها لم تدع انها مثالية. كانت تعرف عيوبها، وتعيش معها، وتتشاجر معها، وتضحك عليها، ثم تستيقظ في اليوم التالي وتحاول من جديد... 

واشتقت الى بيروت الشعر. الى القصيدة التي يمكن ان تولد على طاولة، الى شاعر يدخل النقاش غاضبا ويخرج منه ضاحكا، الى بيت شعر يغير اتجاه الحديث، الى اللغة حين تصبح طريقة اخرى للحياة. اشتقت الى بيروت الادب والثقافة، الى الكتب والكتاب والمجلات والمسرح والسينما والمعارض والندوات، الى تلك الكثافة الثقافية التي كانت تجعل المدينة تبدو احيانا اكبر من مساحتها، وكأنها تحمل داخلها مدنا كثيرة، لكل واحدة منها صوتها وحكايتها... 

واشتقت الى بيروت الملتقى. الى المدينة التي كان يمكن ان تلتقي فيها شخصا من مكان لم يخطر لك انك ستلتقيه فيه، وان تسمع فكرة لم تكن مستعدا لسماعها، وان تدخل في حوار مع انسان يختلف معك في كل شيء، ثم تكتشف في نهاية الليل ان الاختلاف لم يمنع الصداقة، بل ربما كان سببها. اشتقت الى تلك القدرة النادرة على جمع المختلفين من دون ان تطلب منهم ان يصبحوا متشابهين.

واشتقت الى بيروت الباحثة دائما عن هويتها. ربما هذه اكثر ما احبه فيها. بيروت لم تكن مرتاحة تماما الى نفسها، ولذلك كانت تسأل نفسها باستمرار.. من انا؟ مدينة عربية؟ متوسطية؟ لبنانية؟  غربية في بعض تفاصيلها؟ مشرقية في تفاصيل اخرى؟ مدينة تحمل كل هذه الاسئلة ولا تجد حاجة الى اغلاقها باجابة واحدة. وربما كان ذلك جزءا من سحرها. المدن الواثقة من نفسها كثيرا قد تكون مملة. اما بيروت فكانت دائما في حالة بحث، ولذلك كانت دائما قابلة لاكتشاف جديد... 

واشتقت الى بيروت الحرية. الى حرية الكلام، وحرية الاختلاف، وحرية ان تجلس الى طاولة وتقول ما تعتقده، ثم تجد من يختلف معك من دون ان تنتهي الجلسة بخصومة. اشتقت الى الحرية التي لم تكن شعارا دائما، بل كانت في تفاصيل صغيرة .. في كتاب على طاولة، في اغنية، في نقاش، في امرأة تقول رأيها، في رجل يعترض، في شاعر يسخر من الجميع، وفي صديقة تستطيع ان تقول لك انك مخطئ من دون ان تحتاج الى مقدمات طويلة... 

واشتقت الى التناقضات. الى بيروت التي تستطيع ان تكون صاخبة جدا وهادئة جدا في الليلة نفسها. مدينة تتحدث كثيرا ثم تصمت فجأة. مدينة تذهب الى البحر ثم تعود الى ازقة لا ترى البحر. مدينة تضحك وهي تحمل جرحها، وتكتب الشعر وهي تعرف قسوة الواقع، وتحتفل وهي تعرف ان الغد ليس مضمونا. ربما لهذا احببتها. لانها لم تكن تحاول ان تخفي تناقضاتها، بل كانت تعيشها... 

اشتقت الى تلك الليالي التي لم نكن نعرف كيف تنتهي. كأس على الطاولة، سيجارة في يد صديقة، فكرة تجر فكرة، خلاف يتحول الى ضحك، ضحك يعود الى جدل، ثم لحظة صمت ينظر فيها الجميع الى شيء لا يعرفون اسمه. كنا نبحث عن معنى العالم، ثم نكتشف فجأة اننا لا نحتاج الى معنى في تلك اللحظة. يكفينا ان نكون معا. وهذه ربما واحدة من الاشياء التي لا نفهم قيمتها الا بعد ان تبتعد.

واشتقت ايضا الى نفسي في بيروت. الى ذلك الرجل الذي كنت اكونه هناك، والذي ربما لم اكن استطيع ان اكونه بالقدر نفسه في مكان اخر. اشتقت الى كيف كنت، والى من كنت، والى الاسئلة التي كانت بيروت تخرجها مني، والى المساحة التي كانت تمنحني اياها كي اكون نفسي بلا كثير حساب. هناك كنت اسأل اكثر، واحاور اكثر، واتأمل اكثر، وربما كنت ارى نفسي بطريقة مختلفة. اشتقت الى ذلك الجزء مني الذي كان يظهر في بيروت ثم يعود معي، قبل ان يختفي تدريجيا في زحام الايام... 

اليوم، حين اقول انني اشتقت الى بيروت، لا اعني فقط انني اريد ان اذهب اليها. اريد ان اعود الى شيء تركته هناك. الى نسخ كثيرة مني عاشت في تلك المدينة، والى الرجل الذي كنت عليه في منتصف التسعينات، والى الرجل الذي عدت به من كل زيارة، والى كل ما تعلمته من بيروت من دون ان اجلس يوما لاقول ..  ماذا تعلمت؟  

ربما لهذا كتبت عنها كثيرا... كتبت عنها لانها كانت تستحق الكتابة، وكتبت عنها لانني كنت ارى فيها شيئا مني، وكتبت عنها لان بيروت كانت دائما اكبر من ان تكون مدينة في نص. واليوم لا اريد ان اكتب عنها لكي اقول شيئا جديدا. ربما اكتب فقط لانني اشتقت... 

اشتقت الى اصدقائي وصديقاتي، الى اصواتهم، الى ضحكاتهم، الى اختلافاتنا الصغيرة والكبيرة، الى تلك الجلسات التي كانت تبدو عادية وقتها، ثم اكتشفنا بعد سنوات انها لم تكن عادية على الاطلاق. اشتقت الى كأس النبيذ، الى الليل، الى البحر، الى الصخب، الى الهدوء، الى الفكر، الى الشعر، الى الادب، الى الصحافة، الى المخيم، الى السفير، الى المدينة التي كانت تفتح ابوابها للكثير من الاحلام، حتى وهي تعرف ان كثيرا منها لن يتحقق...  اشتقت الى بيروت التي لم تكن تعد احدا بشيء، لكنها كانت تمنحك دائما شيئا...  وربما هذا هو كل ما اريد قوله اليوم... اشتقت الى بيروت... لا اكثر... ولا اقل...  اشتقت الى مدينة عشت فيها كثيرا، وكتبت عنها كثيرا، وتركت فيها شيئا مني، ولا تزال، كلما اشتقت اليها، تعيد الي بعضي...