آراء

حكايات عن السجن والحرب .. الحلقة الأولى: ما قبل.. وما بعد

23 مشاهدة
حكايات عن السجن والحرب .. الحلقة الأولى: ما قبل.. وما بعد

الكاتب : كميل أبو حنيش


تروي سلسلة هذه الحلقات نزرًا يسيرًا مما جرى ولا يزال يجري في سجون الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الآن، في محاولة لتسليط الضوء على ما تعرّض له الأسرى الفلسطينيون من ممارساتٍ فظيعة على أيدي السجانين ، الذين كانوا يتلقّون توجيهاتٍ مباشرة من أعلى هرم الحكومة والدولة، بصورةٍ لم نجد لها مثيلًا إلا في معسكرات الإبادة النازية إبان الحرب العالمية الثانية، إذ إن هذه الممارسات لم تكن عشوائية أو عفوية أو استثنائية أو لحظية؛ وإنما كانت منظّمة ومنسّقة وشاملة ومتدحرجة، تنطوي على روحٍ إجرامية مَرَضِيّة، وتتخذ من العنف والتجويع والقهر والإذلال والقتل وسائلَ تهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية المناضلة في سبيل الحرية والخلاص من الاحتلال .
لقد أمضيت 23 سنة داخل السجون الاسرائيلية، وعايشت هذه السجون في مراحل ومحطات مختلفة، وكانت أقساها على الإطلاق مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر. ولكن هذا لا يعني أن السجون كانت أفضل حالًا أو «فندق خمس نجوم» كما وصفها أحد الوزراء الفاشيين في حكومة الاحتلال؛ بل كانت ميدانًا آخر للصراع بين الإرادة الثائرة والإرادة الغاشمة، وكان ثمة مستويات من العنف والقهر والتنكيل، ولكنها كانت أقل بكثير مما كانت عليه الحال بعد الحرب؛ فقد كانت لدينا حركة أسيرة منظّمة ناضلت لأجيال وعلى مدار 60 عامًا، لخلق ظروف أكثر إنسانية داخل السجون.
كان لدينا التنظيم الاعتقالي ومئات المنجزات التي تحققت بفعل التضحيات والإضرابات والعمل الدؤوب؛ فكان لدينا زيارة الأهل، والكانتين، والفورة، والمكتبة، والصحيفة، والتلفاز، والطعام الجيد، ومواد التنظيف، والمروحة، والغسالة، والثلاجة، وماكينة الحلاقة، والأغطية. وطوال عام قبل الحرب، فشلت محاولات الوزير الفاشي بن غفير لانتزاع أيٍّ من هذه الإنجازات والمكتسبات، بفعل وحدتنا وتلاحمنا ودفاعنا عن حقوقنا الإنسانية؛ مما اضطره إلى الانكفاء والنباح من بعيد.
وما إن اندلعت الحرب حتى انقلبت الأوضاع رأسًا على عقب، وتحقق لهذا الوزير ما أراد؛ بل أكثر من ذلك، بحيث لم يتبقَّ للأسير الفلسطيني سوى القليل من الأمتعة، وجرى عزله وتجويعه وضربه وإذلاله وقتله طوال عامين من الحرب. ولا تزال ساحات السجون شاهدة على مذبحة يومية، وموتٍ بطيء، يتعرّض له الأسرى، ما لم يجرِ التحرك على كافة الأصعدة لإنقاذهم والاستمرار في فضح ممارسات العدو، وتعرية خطابه الزائف.
كنت أكتب يوميًا بمعدل ساعتين طوال عشرين عامًا قبل الحرب. وما إن اندلعت الحرب حتى جرى مصادرة كل شيء، بما في ذلك الكتب والأوراق والأقلام، ولم أكتب طوال عامي الحرب حرفًا واحدًا، وكنت أقول إنني سوف أكتب عن هذه اللحظات القاسية بعد أن أتحرر، وأروي للعالم ما تعرّض له الأسرى من قمع غير مسبوق.
وها أنا أقترب من إتمام عام على تحرري من الأسر، ولا أزال أعجز عن الإمساك بالقلم، ولم أكتب إلا النزر اليسير. ليس لأن الواقع اختلف عليّ، وليس بسبب انشغالاتي العديدة في فضاء الحرية، ولكنني، صدقًا، احتجت وقتًا حتى أستوعب أنني تحررت فعلًا من كابوس الأسر، ولأنني حتى الآن لا أزال تحت وقع الصدمة العميقة مما حلّ بنا طوال عامي الحرب، ومن ناحية ثالثة لا يزال القلب معلّقًا عند أولئك الأبطال الذين لم ينالوا حريتهم بعد، ولا يزالون يتعرّضون لأبشع صنوف القهر والتعذيب على أيدي السجانين القتلة والمجرمين.
وها أنا أعود وأستأنف الكتابة، وهذا أبسط شيء يمكن تقديمه، لوصف ما جرى ولا يزال يجري في السجون، ولإعلاء التضامن والاعتزاز بأبطالنا الأسرى، داعيًا كافة الأسرى المحررين إلى أن يكتبوا أو ينشطوا في الفعاليات الإعلامية والميدانية لفضح ممارسات الاحتلال ولنصرة أسرانا البواسل؛ فلدينا الكثير مما يمكن فعله، والكثير مما يمكن قوله.
*عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين