محليات

حين تصبح البيوت ركامًا... وسماء بلا جدران

78 مشاهدة
حين تصبح البيوت ركامًا... وسماء بلا جدران

نابلس ـ واثق نيوز ـ تقرير : سهير سلامة-لم تكن تقاسيم تعب السنين، البادية على وجهه، لتقنع هؤلاء الغرباء بوجعه وتوسلاته المستمرة؛ بأن تلك الجدران والسقف كانا ضمان الحياة السعيدة التي حلم بها، وعانى في سبيل تحقيقها، حتى جاءت اللحظة التي تضمه وعائلته تحت سقف آمن. دمعة لم تجف، وعين تدمع قهرًا وألمًا، وكأن العالم كله أصبح رمادًا أسود في عيني نادر الحج محمد، فلم تمهله الشمس ليلتقط أنفاسه.

بين الركام، ينحني مع عائلته في بلدة بيت دجن، بحثًا عن فراش أو قطعة أثاث هنا أو هناك، نجت من هدم منزلهم الصغير بالجرافات التابعة لقوات الجيش الإسرائيلي في بيت دجن، شرق مدينة نابلس.

من مزرعته التي لم يغفل يومًا عن متابعتها والاعتناء بها، وكأنها قطعة من فؤاده، كان يطعم أطفاله من دجاجه وأغنامه وطيوره. وهنا بنى بيتًا متواضعًا بجوار مصدر رزقه. لكن بين ليلة وضحاها، اختفى البيت، وبقيت الجدران حكاية تحت الأنقاض.

لم يعد للعائلة سقف يحميها من غدر الزمان. فكما سعى نادر وأولاده وعملوا من أجل بناء حياتهم، أصبحت عائلة بأكملها تفترش اللاشيء؛ باتت الأرض فراشها، والسماء غطاءها، والركام ذاكرة لا يمكن جمعها بسهولة. فمن يجمع ما تبقى من حياته؟

إخطارات بالهدم ..

نموذج واحد، وعائلة واحدة، من آلاف العائلات التي أُخطرت بهدم بيوتها، ثم هُدمت، فذهب الأمل والبيت والاستقرار، وأصبحت ضمن قوافل من هُدمت منازلهم وضاعت آمالهم، في ظل قانون غاب ظالم.

وليس بعيدًا عن الهدم والتشريد والخراب، هناك من يُطارد ويُعاقب لا لشيء سوى أنه يقطن في أرضه ومنزله؛ لمجرد أن مستوطنًا أراد هذا البيت، فبدأ يقضّ راحة ساكنيه ومالكيه، وكأنه صاحب الحق الأوحد.

المواطن زياد هيلان من نابلس، اشترى قطعة أرض قبل نحو ثلاث سنوات، في منطقة بين نابلس الجديدة وعلى سفح عراق بورين، جنوب غرب المدينة، لينعم بالسحر الرباني لسهول وأراضٍ واسعة تبعث على الراحة والأمان. لكنه فقد هذا الأمان يوم وجد مجموعة من المستوطنين وقد بدأوا بالعبث أمام منزله وتهديده وأطفاله.

يقول هيلان إنه، ومع بداية شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام، لم يسلم من اعتداءات المستوطنين المتكررة على منزله وأطفاله، حتى وصل الأمر بهم إلى إرسال رسائل عبر تطبيق واتساب، يقولون فيها إنهم يريدون شراء منزله.

مضايقات واعتداءات ..

ويضيف أنه منذ ذلك الوقت، يتعرض لمضايقات واعتداءات من المستوطنين، وهجمات على أرضه ومنزله. ويشير إلى أن لديه خمسة أولاد لا ينامون بسبب هذه المضايقات، وأنهم جميعًا في حالة مناوبة ليلًا ونهارًا، ولا يستطيع ترك المنزل من دون حراسة.

ويذكر هيلان، الذي يعمل سائق سيارة أجرة، أنه تعرض للضرب، وبقي شهرًا كاملًا طريح الفراش، كما لم يسلم أطفاله من الاعتداءات؛ إذ تعرضوا للضرب والرشق بالحجارة، فيما جرى محاصرة المنزل.

ويؤكد أنه لن يفرط في أرضه وبيته مهما بلغت الاعتداءات، ولا يتخيل أن يذهب حلم عمره هباءً، بعد أن أفنى وقته في تجهيز عشه الآمن.

لكن الأمر لم يكن ليقتصر على هدم أو طرد أو تشريد فقط؛ فهناك بوابات وحواجز وسرطانات تتمدد، وتنهش من هذه الأرض المزيد والمزيد مع كل لحظة.

وطن خلف 2000 بوابة حديدية وحاجز ..

الضفة الغربية لم تعد تُرى كأرض واحدة؛ فالمستوطنات تتمدد وتزداد، والطرق تُجزّأ، والحواجز والبوابات تضيّق حركة الناس بين قرية ومدينة، ومنطقة وأخرى، وشارع وشارع.

وهنا يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن 925 عائقًا للحركة وُثّق في الضفة الغربية، بينها 232 بوابة طرق، إضافة إلى مئات الحواجز والسواتر الترابية التي تمنع حركة المواطنين وتحد من ممارستهم لمهامهم الحياتية المعتادة.

فمن الشمال إلى الوسط، وصولًا إلى الجنوب، تتغير ألوان المعاناة، لكن المشهد واحد: مزارع يصل إلى أرضه بصعوبة، وطالب يتأخر عن مدرسته، ومريض ينتظر عند حاجز.

وبينما يبتلع الاستيطان مزيدًا من الأرض، يبقى السؤال معلقًا: من يوقف هذا الزحف؟ ومن يعيد للضفة حقها في أن تكون وطنًا، لا جزرًا محاصرة؟

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية