القاهرة - فايزة هنداوي- لم يحتج مسلسل «صحاب الأرض» إلى أكثر من حلقتين كي يتحول من عمل درامي في السباق الرمضاني إلى محور نقاش سياسي وإعلامي خارج الحدود. فبمجرد عرض أولى حلقاته، بدأ الإعلام الإسرائيلي في تخصيص مساحات تحليلية مطولة للحديث عنه، ليس باعتباره عملاً فنياً فحسب، بل بوصفه رسالة تحمل أبعادًا أبعد من الشاشة.
هيئة البث الإسرائيلية تناولت المسلسل في فقرة إخبارية خاصة، واعتبرت أن العمل يتبنى رؤية منحازة للفلسطينيين في سياق الحرب على غزة، ولا يقدّم الرواية الإسرائيلية. كما رأت القناة الثانية عشرة هناك أن إنتاج المسلسل وعرضه عبر التلفزيون المصري الرسمي خطوة ذات دلالة سياسية. أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» فتوقفت عند مشاركة الممثل آدم بكري، مشيرة إلى خلفيته العائلية ومواقف والده الفنية السابقة، وتوقعت أن يحظى المسلسل بنسبة مشاهدة واسعة في العالم العربي.
هذه القراءة الإسرائيلية المبكرة جاءت قبل أن تتكشف ملامح العمل كاملة، وهو ما يعكس حساسية الموضوع الذي يقترب منه المسلسل، خاصة أنه يتناول الحرب من زاوية إنسانية مباشرة، ويضع المشاهد داخل تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار.
بعد عرض حلقتين، تتضح ملامح الخط الدرامي الأساسي. «صحاب الأرض» لا ينشغل بالخطاب السياسي المباشر، بل يركز على أثر الحرب في العلاقات الإنسانية. شخصية «كرمة»، التي تجسدها تارا عبود تعيش حالة انقطاع قاسٍ عن والدها الذي يؤدي دوره إياد نصار، بعد أن حالت الظروف دون خروجه من القطاع رغم حصوله على تصريح سفر.
الحلقتان اعتمدتا على مشاهد مكالمات متقطعة بسبب انقطاع الكهرباء وضعف الشبكات، وهي تفاصيل واقعية تعكس طبيعة الحياة في أوقات الحرب. ينقطع الاتصال فجأة إثر غارة في محيط وجود الأب، لتبدأ مساحة من القلق والانتظار، بينما تتحمل الابنة مسؤولية شقيقتيها الصغيرتين في ظل واقع يزداد قسوة.
في الوقت نفسه، يقدم العمل مشاهد لإنقاذ طفل فقد أسرته، في لحظة تختصر معنى الفقد الجماعي، كما يتناول وصول وفد أطباء مصريين إلى غزة، وما واجهوه من صعوبات منذ لحظة دخولهم وحتى مباشرتهم علاج المصابين.
المسلسل من إخراج بيتر ميمي، وسيناريو ومعالجة عمار صبري. الإخراج في الحلقتين الأوليين اختار الإيقاع المتدرج، مع اعتماد واضح على الصورة القريبة التي تلتقط الانفعال. لا توجد خطابات مباشرة أو عبارات تقريرية، بل تركيز على التفاصيل الصغيرة: نظرة، انتظار، صمت طويل أمام شاشة هاتف.
هذا الأسلوب يجعل العمل أقرب إلى تسجيل إنساني للحظة، لا إلى بيان سياسي، حتى وإن كانت خلفيته السياسية واضحة.
اللافت أن الجدل الذي أثاره المسلسل لم يكن حول جودة الأداء أو البناء الدرامي بعد، بل حول موقعه من السردية العامة للصراع. وهو أمر يكشف أن الدراما حين تقترب من وقائع ما تزال جارية، تتحول تلقائيًا إلى جزء من النقاش العام، سواء أرادت ذلك أم لا.
في مصر، اعتبرت تقارير إعلامية أن الاهتمام الإسرائيلي بالعمل يعكس حجم تأثيره المتوقع، بينما رأى آخرون أن المسلسل يضع الدراما أمام اختبار جديد: كيف يمكن رواية الحكاية الإنسانية من دون الوقوع في التبسيط أو التوظيف المباشر؟
الإعلام الإسرائيلي يهاجم المسلسل المصري «صحاب الأرض»
- الزيارات: 42